فهرس الكتاب
يقول ابن عاشور: وأما ما جرى بين عائشة وعليّ من النزاع والقتال، فإنما كان انتصارًا للحق في كلا رأيَي الجانبين وليس ذلك لغلّ أو تنقص، فهو كضرب القاضي أحدًا تأديبًا له فوجب إمساك غيرهم من التحَزب لهم بعدهم فإنه وإن ساغ ذلك لآحادِهم لتكافئ درجاتهم أو تقاربها. والظنِّ بهم زوال الحزازات من قلوبهم بانقضاء تلك الحوادث، لا يسوغ ذلك للأذناب من بعدهم الذين ليسوا منهم في عير ولا نفير، وإنما هي مسحَة من حمية الجاهلية نَخرت عضد الأمة المحمدية [1] .
سادسًا: إن ما حدث من جانب الصحابة - رضي الله عنهم - في هذه الفتنة يحمل على حسن النية و الاختلاف في التقدير و الاجتهاد، كما يحمل على وقوع الخطأ و الإصابة، و لكنهم على كل حال كانوا مجتهدين و هم لإخلاصهم في اجتهادهم مثابون عليه في حالتي الإصابة و الخطأ، و إن كان ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ؛ لأن كل فئة كانت لها وجهة نظر تدافع عنها بحسن نية، حيث إن الخلاف بينهم لم يكن بسبب التنافس على الدنيا، و إنما كان اجتهادًا من كل منهم في تطبيق شرائع الإسلام [2] .
سابعًا: يعذر الصحابة بعضهم بعضًا وهم مختلفون، ويأتي بعدهم ممن ليس منهم ولا في درجتهم فلا يقبل عذرهم، بل ويفتري عليهم الكذب وينسب لهم ما لم يقولوه أو يفعلوه، سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.
أخرج الحاكم في مستدركه عن أبي حبيبة - مولى طلحة - قال: دخلت على علي مع عمر بن طلحة بعدما فرغ من أصحاب الجمل قال: فرحب به وأدناه،، وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله -عز وجل-: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [ (47) سورة الحجر] ، فقال: يا ابن أخي كيف فلانة، وكيف فلانة
(1) بتصرف من التحرير والتنوير ـ الطبعة التونسية لمحمد الطاهر بن عاشور ج 28 ص 98 تفسير سورة الحشر.
(2) تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (2/ 340 - 342) بتصرف.