فهرس الكتاب
وعن عبد الله بن جعفر- رضي الله عنه - قال: «أَمْطِرِ الْمَعْرُوفَ مَطَرًا، فَإِنْ أَصَابَ الْكِرَامَ كَانُوا لَهُ أَهْلًا، وَإِنْ أَصَابَ اللِّئَامَ كُنْتَ لَهُ أَهْلًا» [1] .
والمراد: إِنْ صَادَفْ مَوْضِعه فَذَاكَ مَا أَرَدْتَ، وَإِلا رَجَعَ إِلَيْكَ فَكُنْتَ أَهْلَهُ.
لقد حازت أمنا أم المؤمنين - رضي الله عنها - كلَّ المفاخر، فقد ولدت في كنف هذا الدين وتحت لوائه بين أبوين موحدين؛ فدرجت منذ نعومة أظفارها وهي تسمع لا إله إلا الله محمد رسول الله تهز أركنها، وتستقر في وجدانها، وتَسُوسُ أعماقها؛ فنمت وترعرعت موحدة لا يشوبها شرك، ولا يعكر صفو عقيدتها دنس الجاهلية، فأبصرت الدنيا بعيون الإسلام، وأيقنت بوعد ووعيد العلام، فكانت من خيرة النساء اللاتي حزن في الفضل التمام، وأعطيت - رضي الله عنها - في العلم الزمام، فانقادت لربها وصدقت برسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فانقاد لعلمها جليل أهل العلم ذوي الألباب و النهى والأحلام.
هذه أمنا تفاخر وتفتخر بفضلها دونما علو أو زهو بل بحب وتقدير لسيد الأنام قائلةً: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا، تَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا" [2] ."
فكيف كان رده - بأبي هو وأمي -؟ كان ردًا عمليًا فعرف لها قدرها وبادلها حبًا بحب، وفضلًا بود حتى قَالَتْ عَائِشَةُ - رضي الله عنها: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ" [3] ."
(1) بتصرف من موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين لمحمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: 1332هـ) ص323 طبعة دار الكتب العلمية عام 1415 هـ - 1995 م
(2) أخرجه البخاري 9/ 104 في النكاح: باب نكاح الابكار
(3) حديث طويل - متفق عليه - في عشرة الأزواج. بدأ بقولها:"جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا".