فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 133

فهل رُؤيا إنصاف كهذا؟ وهل تُلُمس عدل كمثل هذا العدل في مثل هذه الموطن إلا من صالحة حصان رزان، ينقطع دون المس بها لسان كل منافق، ولو كان عليم اللسان؟!.

الغريب في الأمر أن هذه المنصفة لضرتها، مع أن النفس داعية لغير ذلك بالفطرة، يشنعون عليها أنها كانت تعادي صحابيًا بعينه، وهو: (علي بن أبي طالب - رضي الله عنه-) رغم عدم وجود الداعي إلى ذلك أصلًا، اللهم إلا رأيه في واقعة الإفك، والتي سوف نأتي عليها في موضعها إن شاء الله - تعالى -.

-ذكاؤها الصائب - رضي الله عنها - وفهمها الدائب، حيث يتبدى ذلك في مواقف كثيرة - وسبق أن ذكرنا فهمها لمراد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في فراش الموت لما أراد أن يتسوك -،ولكني أتخير هنا موقفًا آخر موثقًا في صحيح مسلم عندما خرَّج حديث عائشة - رضي الله عنهم - السابق فجاءت زينب بنت جحش - رضي الله عنها - فستأذنت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في لحاف عائشة - رضي الله عنها - فقالت:"يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي، فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ، وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا؟!."

قَالَتْ: فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، قَالَتْ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا [1] حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَتَبَسَّمَ إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ".

يوضح الإمام النووي- رحمه الله - في شرحه لهذا الجزء من الحديث قائلا: اعلم أنه ليس فيه دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لعائشة، ولا أشار بعينه، ولا غيرها (ويقصد بذلك قول عائشة - رضي الله عنها: وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها، فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول - الله صلى الله عليه وسلم - لا يكره أن أنتصر) ، ثم أضاف الإمام النووي قائلا: بل لا يحل اعتقاد ذلك فإنه - صلى الله عليه وسلم - تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها فلم ينهها.

وشاهدنا قول الإمام النووي - رحمه الله - في شرحه لقوله - صلى الله عليه وسلم-:"إنها ابنة أبي بكر".فمعناه الإشارة إلى كمال فهمها، وحسن نظرها. والله أعلم. [2] .

-عدم صبرها على الضيم، والرد على الظلم، وحب ظاهر لرسول الله لا تخطئه العين، وفطنة فطرة، و إباء حرة.

عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زَوْجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ:"دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ"فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟!. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ قُلْتُ:"وَعَلَيْكُمْ" [3] "

(1) {أَنْشَبْهَا} يقال: نَشِب في الشيء إذا وَقَع فيما لا مَخْلَصَ له منه. ولم يَنْشَبْ أن فَعَل كذا، أي: لم يَلْبَث. وحقيقتُه: لم يتعلَّق بشيءٍ غيرِه ولا اشْتَغَل بسواه. [النهاية في غريب الأثر - ابن الأثير] ج 5 ص 124.

(2) المنهاج شرح صحيح مسلم بن حجاج للإمام النووي (رحمه الله) حديث رقم (2442) ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.

(3) أخرجه البخاري 11/ 35، والسياق له، في الاستئذان، باب كيف يرد على أهل الذمة السلام، وفي الجهاد، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، وفي الأدب، باب الرفق في الأمر كله، وباب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا، وفي الدعوات، باب الدعاء على المشركين، وباب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"يستجاب لنا في اليهود ولا يستجاب لهم فينا"،وفي استتابة المرتدين، باب إذا عرض الذمي وغيره بسبب النبي صلى الله = = عليه وسلم ولم يصرح، ومسلم رقم (2165) في السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، والترمذي رقم (2702) في الاستئذان، باب ما جاء في التسليم على أهل الذمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت