فهرس الكتاب
فعائشة - رضي الله عنها - أكثر من التصقت به - صلى الله عليه وسلم -وخبرته، وتربت على يديه، وعاشت بعده زمنًا طويلًا مبجلة، ومحترمة، ومقدمة، ومعلمة، ومربية، وفقيهه، ومفسرة، ومحدثة، وامرأة كسائر النساء يعتريها ما يعتريهن، ويصيبها ما يصيبهن، ومع ذلك تتفوق حتى تصبح بمنزلة الثريد من الطعام، فكان حتمًا أن تتحرك ضدها خفافيش الظلام، و الأزلام بمعاول الإجرام؛ لهدم هذا المقام، والعبور من فوقه إلى تدمير الإسلام، وإن كان ذلك باسم الإسلام، فبالسيف أو بغيره تختلف الأسباب، والموت واحدٌ ... ولو تأمل كلُّ منصف ذي عينين لاستغرب من هذا التهجم، لكننا نعلم أن الشامخين فقط، وأهل الرفعة والدرجة العالية هم الذين يصلحون للرشق؛ فيُخرج الرشقُ جواهرهم النفيسة، ومعادنهم الدفينة!.
ألم تر إلى النخلة الشماء المشمورة العِذق ترشق بالحجر فترمي بالثمر، وهي مع ذلك لا تُضر ولا تَغتر وهذا هو حالها طوال الدهر، فهل يجاريها أحدٌ إلا المؤمن الأغر؟!.
قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي، مَا هِيَ» ؟! قَالُوا: حَدِّثْنَا، مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ» [1] .
هذا ما قصدوه فعوملوا بضده، وهكذا فتأمّل قول أبي تمام:
وإذا أراد اللّهُ نَشْرَ فَضِيلةٍ * * * طُوِيَتْ أتاحَ لها لِسانَ حَسُودِ
لَوْلاَ اشتعَالُ النَّارِ، فيما جَاوَرَتْ ... ما كَانَ يُعْرَفُ طيبُ عَرْف العُودِ
لولاَ التخوفُ للعواقبِ لمْ تزلْ * * * للْحَاسد النُّعْمى على المَحْسُودِ
(1) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان بترقيم عبد الباقي ص (893) مثل المؤمن مثل النخلة.