فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 133

من السهل عليه - صلى الله عليه وسلم - أن ينهي هذه المحنة التي آذته وآذت زوجته والمسلمين من يوم وقوعها، لكنه لم يفعل، لأنه لا يملك ذلك.

فماذا كان يمنعه- لو أن أمر القرآن بيده - أن ينطق بهذه الآيات من بداية هذا الإفك وهذه الإشاعة الكاذبة، ليحمي بها عرضه، ويقطع ألسنة الكاذبين؟، ولكنه ما كان ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله، قال الله - تعالى-: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [1] .. وهكذا شاء الله أن تكون هذه المحنة دليلًا كبيرًا على بشرية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونبوته في وقت واحد.

(3) ومن الحكم والفوائد المترتبة على هذه الحادثة، تشريع حد القذف وأهميته في المحافظة على أعراض المسلمين، فعندما وقعت حادثة الإفك أراد الله - عز وجل - أن يشرع بعض الأحكام التي تساهم في المحافظة على أعراض المؤمنين ..

ومن المعلوم أن الإسلام حرم الزنا، وأوجب العقوبة على فاعله، وحرم أيضًا كل الأسباب المؤدية إليه، من تبرج وسفور، واختلاط ونظرة .. ومنها إشاعة الفاحشة، ومن ثم حرم الإسلام القذف، وأوجب على من اتهم عفيفًا أو عفيفة, بالزنا - وهم منه براء - حَد القذف، وهو الجلد ثمانين جلدة وعدم قبول شهادته إلا بعد توبته توبة صادقة نصوحًا، وفي ذلك صيانة وحفظ للمجتمع من أن تشيع فيه ألفاظ الفاحشة، لأن كثرة الحديث عن الفاحشة وتردادها على الألسن يُهون أمرها لدى سامعيها، ويجرئ ضعفاء النفوس على ارتكابها، أو رمي الناس بها .. وفي ذلك تربية للمجتمع الإسلامي الأول ليكون نموذجًا للمجتمعات بعد ذلك ..

(4) لقد أظهرت هذه الحادثة فضيلة عائشة -رضي الله عنها - وفضلها، فقد برأها الله من الإفك بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، يتعبد المسلمون بتلاوته, قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُم} [2] ، فكم ارتفعت منزلتها - رضي الله عنها - بذلك، وقد كانت تقول كما روى البخاري:"مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى ولَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ"، ومن ثم فمن اتهمها بعد ذلك بما برأها الله به، فهو مكذب لله، ومن كذب الله فقد كفر ..

أقول: إن أهل السنة والجماعة أجمعوا قاطبة على أن من طعن في عائشة - رضي الله عنها- بما برأها الله منه، وبما رماها به المنافقون من الإفك، فإنه كافر مكذِّبٌ بما ذكره الله في كتابه من إخباره ببراءتها وطهارتها. وقالوا إنه يجب قتله.

وقد ساق أبو محمد بن حزم الظاهري بإسناده إلى هشام بن عمار قال: سمعت مالك بن أنس يقول من سب أبا بكر و عمر جلد، و من سب عائشة قتل، قيل له: لم يقتل في عائشة؟ قال: لأن الله تعالى يقول في عائشة رضي الله عنها {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [3] ، قال مالك فمن رماها فقد خالف القرآن، و من خالف القرآن قتل. قال أبو محمد رحمه الله: قول مالك هاهنا صحيح و هي ردة تامة و تكذيب لله - تعالى- في قطعه ببراءتها (2) .

وحكى أبو الحسن الصقلي أن القاضي أبا بكر بن الطيب قال: إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه كقوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ} (3) في آي كثيرة وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ} [4] سبح نفسه في تبرئتها من السوء كما

(1) (الحاقة47:44)

(2) (النور: 11)

(3) الآية (17) سورة النور، والمحلى 13/ 504، وانظر أحكام القرآن لابن العربي 3/ 1356، الشفاء للقاضي عياض: 2/ 267، وانظر عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن علي عائض ج2 ص 871 - 873.

(4) سورة الأنبياء آية/26، وسورة النور آية/16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت