فهرس الكتاب
وأما ثانيًا: فلأن خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان لا قتل ولا أمر بقتله، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل وأهل الفتن، وكان علي ّ - رضي الله عنه - يحلف دائما: (( إني ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله ) )ويقول: (( اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل ) ). وغاية ما يقال: إنهم لم ينصروه حق النصرة، وأنه حصل نوع من الفتور والخذلان، حتى تمكن أولئك المفسدون. وما كانوا يظنون أن الأمر يبلغ إلى ما بلغ، ولو علموا ذلك لسدّوا الذريعة وحسموا مادة الفتنة.
أما ثالثًا: فلأنه من المعلوم أن الناس أجمعوا على بيعة عثمان - رضي الله عنه - وما لم يجمعوا على قتله؛ فإنهم كلهم بايعوه في جميع الأرض. فإن جاز الاحتجاج بالإجماع الظاهر، فيجب أن تكون بيعته حقاًّ لحصول الإجماع عليها. وإن لم يجز الاحتجاج به، بطلت حجتهم بالإجماع على قتله.
فلو قال قائل مثلًا: إن الحسين- رضي الله عنه- قُتِل بإجماع الناس؛ لأن الذين قاتلوه وقتلوه لم يدفعهم أحد عن ذلك - وهذا بمنطق القوم -، لم يكن كذبه بأظهر من كذب المدِّعي للإجماع على قتل عثمان، فإن الحسين - رضي الله عنه- لم يعظم إنكار الأمة لقتله، كما عَظُم إنكارهم لقتل عثمان- رضي الله عنه-، ولا انتصرت له جيوش كالجيوش التي انتصرت لعثمان- رضي الله عنه-، ولا انتقم أعوانه من أعدائه كما انتقم أعوان عثمان- رضي الله عنه- من أعدائه، ولا حصل بقتله من الفتنة والشر والفساد ما حصل بقتل عثمان- رضي الله عنه-، ولا كان قتله أعظم إنكارًا عند الله ورسوله وعند المؤمنين من قتل عثمان- رضي الله عنه-.
فإن عثمان - رضي الله عنه- من أعيان السابقين الأولين من المهاجرين من طبقة عليّ وطلحة والزبير- رضي الله عنهم -، وهو خليفة المسلمين أجمعوا على بيعته، بل لم يُشهر في الأمة سيفًا ولا قَتَل على ولايته أحدًا، وكان يغزو بالمسلمين الكفَّار بالسيف، وكان السيف في خلافته كما كان في خلافة أبي بكر وعمر مسلولًا على الكفار، مكفوفًا عن أهل القبلة، ثم إنه