فهرس الكتاب
طُلِبَ قتله وهو خليفة فصبر ولم يُقاتل دفاعًا عن نفسه حتى قُتِل، ولا ريب أن هذا أعظم أجرًا، وقتله أعظم إثمًا، ممن كان متوليًا فخرج يطلب الولاية، ولم يتمكن من ذلك حتى قاتله أعوان الذين طلب أخذ الأمر منهم، فقاتل عن نفسه حتى قُتِل.
ولا ريب أن قتال الدافع عن نفسه وولايته أقرب من قتال الطالب لأن يأخذ الأمر من غيره، وعثمان - رضي الله عنه- ترك القتال دفعًا عن ولايته - وكان يحق له الدفاع عن نفسه وولايته، ولأنه مطلوب وليس طالبًا -، فكان لذلك حاله أفضل من حال الحسين- رضي الله عنه-، وقتله أشنع من قتل الحسين- رضي الله عنه-.
كما أن الحسن - رضي الله عنه - لما لم يُقاتِل على الأمر، بل أصلح بين الأمة بتركه القتال، مدحه النبي - صلّى الله عليه وسلّم -، فقال:"إن ابني هذا سيد وسيُصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
ثم دعوى المدّعي الإجماع على قتل عثمان -رضي الله عنه- مع ظهور الإنكار من جماهير الأمة له وقيامهم في الانتصار له والانتقام ممن قتله، أظهر كذبًا من دعوى المدَّعي إجماع الأمة على قتل الحسين -رضي الله عنه-!.
فإن جاز أن يُقال: إنهم أجمعوا على قتل عثمان- رضي الله عنه-، لكون ذلك وقع في العالم ولم يُدفع. فقول القائل: إنهم أجمعوا على قتال عليّ - رضي الله عنه- أيضًا والتخلف عن بيعته أجوز وأجوز، فإن هذا وقع في العالم ولم يُدفع أيضًا.
وإن قيل: إن الذين كانوا مع عليّ - رضي الله عنه- لم يمكنهم إلزام الناس بالبيعة له، وجمعهم عليه، ولا دفعهم عن قتاله، فعجزوا عن ذلك. قيل: والذين كانوا مع عثمان- رضي الله عنه- لما حُصِر لم يمكنهم أيضًا دفع القتال عنه.