الصفحة 32 من 52

فعندما ترملت حفصة واستشهد زوجها في سبيل الله، قال رسول الله: يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة، ويضمها النبي إليه فتقر عينها، ويرضي هذا التصرف والدها الذي بذل الكثير في سبيل تدعيم الدين الجديد. وتنضم بذلك حفصة الشابة التقية الورعة إلى بيت النبوة لتصبح أما للمؤمنين.

حلف الضرائر

دخلت حفصة بيت النبي وفيه سودة وعائشة ..

أما سودة فقد كانت امرأة كبيرة السن .. علمت منذ دخولها البيت النبوي أن حظها من رسول الله بر ورحمة وإكرام .. وأما عائشة فقد كانت الصبية الجميلة الأثيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .. والتي تحاول أن تستأثر وحدها بحبه وقلبه ..

وتناست عائشة ما كانت تجد من ضرتها حفصة، بعد أن وفدت على بيت النبي أزواج جديدات .. وحاولت أن ترى فيها أقرب ضرائرها إليها، وأجدرهن بأن تقف معها في وجه الخطر المشترك [2] . رضيت حفصة من جانبها بهذا الحلف .. فلم يكن بين نساء النبي الأخريات أقرب إليها من عائشة.

(لقد جعلَ اللهُ حياة النبي الخاصة والعامة كتابا مفتوحا لأمته وللبشرية كلها، تقرأ فيه صورة العقيدة، وترى فيه تطبيقاتها الواقعية، ومن ثم لا يجعل فيها سرا مخبوءا، ولا سترا مطويا، بل يعرض جوانب كثيرة منها في القرآن، ويكشف منها ما يطوى عادة عن الناس في حياة الإنسان العادي. حتى مواضع الضعف البشري الذي لا حيلة فيه لبشر.

إنه ليس له في نفسه شيء خاص. فهو لهذه الدعوة كله. فعلام يختبئ جانب من حياته صلى الله عليه وسلم أو يخبأ؟ إن حياته هي المشهد المنظور القريب الممكن التطبيق من هذه العقيدة، وقد جاء صلى الله عليه وسلم ليعرضها للناس في شخصه، وفي حياته، كما يعرضها بلسانه وتوجيهه. ولهذا خلق. ولهذا جاء. ولقد حفظ عنه أصحابه صلى الله عليه وسلم ونقلوا للناس بعدهم أدق تفصيلات هذه الحياة. فلم تبق صغيرة ولا كبيرة حتى في حياته اليومية العادية، لم تسجل ولم تنقل .. وكان هذا طرفا من قدر الله في تسجيل حياة هذا الرسول، أو تسجيل دقائق هذه العقيدة مطبقة في حياة الرسول. فكان هذا إلى جانب ما سجله القرآن الكريم من هذه الحياة السجل الباقي للبشرية إلى نهاية الحياة [3] .

قال تعالى: {يا أيها النبي لم تحرّم ما أحلّ اللهُ لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم، قد فرض اللهُ لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم، وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير. إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير، عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا} [4] .

تعرض هذه السورة صفحة من الحياة البيتية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهّن وبينه! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته صلى الله عليه وسلم وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك .. ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله وبين أزواجه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت