الصفحة 33 من 52

الحادث الذي نزلت بشأنه هذه السورة وردت فيه روايات متعددة .. منها أن النبي صلى الله عليه وسلم خلا يوما بجاريته (مارية القبطية) في بيت حفصة .. فآلمها ذلك وقالت للنبي: (والله لقد سببتني، وما كنت لتصنعها لولا هواني عليك) واستعبرت باكية ..

وأقبل عليها يترضاها بأن أسرّ إليها أن مارية حرام عليه، ثم أوصاها أن لا تحدث أحدا بما كان .. ورضيت حفصة .. ولكن فرحتها كانت أكبر من أن تستطيع كتمانها .. فأسرّت بالسرّ إلى عائشة .. ولم تقدّر حفصة وهي تذيع السر لعائشة، عواقب هذا الإفشاء ..

هذا الحديث عن تحريمه صلى الله عليه وسلم مارية على نفسه، وإفشائها السر لعائشة وتظاهرهما على النبي هو المتداول في كتب الفقه، وهو متداول أيضا في كتب التفسير. وفي الصحيحين رواية أخرى مختلفة.

في هذا السياق، يقال إن رسول الله طلّق حفصة تطليقة واحدة، وفي رواية أن جبريل تدخل وقال للنبي: أرجع حفصة، فإنها صوّامة، قوّامة، وإنها زوجتك في الجنة .. كان من الطبيعي أن يكون إحساس حفصة بالندم أوفر من إحساس أمهات المؤمنين الأخريات، وشعورها بالخطأ أفدح من شعورهن. فما كان لها وهي التقية العابدة، أن تذيع سرا ائتمنها عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن تخلف ما وعدت به من كتمان، ولا كان لها أن تلقى ترضيته لها، وإكرامه إياها، بمثل ذاك الجحود والنكران [5] .

جمع المصحف وحفظه

أشار عمر بن الخطاب على الخليفة أبي بكر رضي الله عنهما أن يبادر إلى جمع القرآن الكريم، قبل أن يبعد العهد بنزوله، ويمضي حفظته الأولون، وقد استشهد منهم مئات في حروب الردة.

واستجاب أبو بكر بعد تردد .. وجمع المصحف الكريم وأودعه عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر ..

وفي عهد عثمان رضي الله عنه تم توحيد حرف المصحف ورسمه .. من المصحف المجموع المودع لدى حفصة .. ونسخت من المصحف العثماني الإمام، نسخ وزعت على الأمصار ..

استمرت الصلة قوية بين السيدة حفصة وعائشة ..

وكادت تخرج معها للإصلاح بين الناس فيما سمّي فيما بعد بحرب الجمل .. لولا أن ردّها أخوها عبد الله بن عمر ..

شهدت حفصة بنت عمر رضي الله عنها .. وفاة النبي وخلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وأقامت بالمدينة عاكفة على العبادة قوامة صوّامة إلى أن توفيت في عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عنه، وشيعتها المدينة إلى مثواها بالبقيع مع أمهات المؤمنين رضي الله عنهنّ ..

مواقفها السياسية

ولحفصة أم المؤمنين مواقف مشهودة، تدلّ على عمق فهمها ووعيها لمجريات الأمور ..

· ... فعندما تعرض الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمحاولة الاغتيال .. راجعه المسلمون بأن يستخلف لهم .. كان عمر مترددا وهو يقول: إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر، وإن لم أستخلف فإن رسول الله لم يفعل ..

وعندما علمت حفصة بموقفه .. أصرّت على أخيها عبد الله بأن يكلمه وينقل له رأيها بضرورة الاستخلاف ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت