فهرس الكتاب
وقصة هجرة أبو سلمة وزوجه إلى يثرب هي إحدى المآسي التي تحمّلها ذلك الجيل القرآني الفريد صابرا محتسبا .. فقد جاء رجال بني المغيرة وقالوا له: (هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد) .. ؟! وأمسكوا بالمرأة .. وجاء بنو عبد الأسد (رهط الزوج) ونزعوا ابنها منها.
وأصبحت أم سلمة وحيدة: زوجها في يثرب وابنها عند قبيلة زوجها، وهي محبوسة عند بني المغيرة في مكة، تقول: كنت أخرج كل غداة إلى الأبطح .. فما أزال أبكي حتى أُمسي، سنة أو قريبا منها.
وفي المدينة المنورة .. شهد أبو سلمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بدر الكبرى .. ثم شهد يوم أحد، وأبلى فيه بلاء مشهودا، وبعد أحد عقد له رسول الله لواء سرية عدتها مائة وخمسون رجلا هاجمت بني أسد الذين كانوا يعدون العدة لمهاجمة المدينة .. ثم رجع وصحبه إلى المدينة غانمين .. وفي المدينة قضى أبو سلمة من آثار جرح أصابه في أحد .. ورسول الله إلى جانبه يكبر عليه تسع تكبيرات، ويقول: (لو كبرت على أبي سلمة ألفا كان أهلا لذلك) [3] .
مات الفارس المجاهد الصحابي الجليل ابن عمة رسول الله وأخوه من الرضاعة: أبو سلمة .. وترك وراءه أرملته ذات الهجرتين أم سلمة هند بنت زاد الركب ..
فكيف يمكن أن تكافأ هذه المرأة العظيمة .. ؟
هل تترك لترملها .. وأولادها .. وكبر سنها .. ؟
أم تضم هي ومن تعول إلى بيت النبوة، فتأمن بعد خوف .. وتستريح بعد حياة ملأى بالمتاعب .. وتأنس بعد حزن لم يفارقها منذ أسلمت .. وتصبح أخيرا أما للمؤمنين .. !
ولكن كيف ذلك .. وهي امرأة كبيرة السن، كثيرة العيال، وفوق هذا وذاك فهي شديدة الغيرة .. ؟
وبعظمة بالغة يمسح النبي جميع أحزان أم سلمة، يقول لها: أنا أكبر منك، وأما الغيرة فيذهبها الله، وأما العيال فإلى الله وإلى رسوله ..
وهكذا استقرت أم سلمة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذت دورها في حياة الدعوة وحياة القائد العظيم ..
ولم ينسَ رسول الله كلما دخل عليها أو زارها أن يسألها عن صغيرتها زينب فيقول: (أين زناب) ؟
سلام عليكم آل البيت
كانت أم سلمة تعرف لنفسها .. قدرها، فإيمانها العميق، وتضحياتها التي ليس لها حدود، ومجدها الموروث، وزواجها من النبي الكريم، وعقلها الراجح، أكسبها مكانة رفيعة في المجتمع المسلم .. فهي تقول لعمر بن الخطاب رضي الله عنه .. عندما تدخل في مراجعة أمهات المؤمنين لزوجهن الرسول: عجبا لك يا ابن الخطاب، قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله وأزواجه .. ؟
قال عمر: فأخذتني أخذا كسرتني به عن بعض ما كنت أجد [4] .
وما قالت كلمتها هذه إلا وهي مدلة بمكانها عند النبي صلى الله عليه وسلم وفي بيته، فقد كان صلى الله عليه وسلم يعدّها من أهله. حدثوا إنه كان يوما عندها وابنتها زينب هناك، فجاءته الزهراء مع ولديها فضمها إليه، ثم قال: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد. فبكت أم سلمة فنظر إليها رسول الله وسألها: ما يبكيك؟ قالت: يا رسول الله خصصتهم وتركتني وابنتي. قال: إنك وابنتك من أهل البيت.