فهرس الكتاب
وصفية يوم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن قد جاوزت السابعة عشرة من عمرها .. ومع ذلك فهي امرأة عاقلة، تتصرف بحكمة لا ينتظرها الإنسان ممن هنّ في مثل سنّها.
· ... فعندما تزوج رسول الله صفية وأراد أن يعرس بها، تمنعت وأبت عليه أن يفعل. فوجدها صلى الله عليه وسلم في نفسه، وشقّ عليه تمنعها ورفضها. فلما كان بالصهباء في الطريق إلى المدينة نزل يستريح، فبدا له أن صفية متهيئة للعرس: جاءتها ماشطة فمشطتها وجملتها وعطرتها. وظهرت صفية عروسا تأخذ العين بسحرها .. وأقبلت على رسول الله .. فسألها:"ما حملك على إبائك في المنزل الأول .. ؟ فأجابت: (خشيت عليك قرب اليهود) [3] ."
فهي تعرف قومها ومكرهم .. فخشيت على رسول الله من مكرهم .. وهذا التصرف الذي أبدته صفية، انتبه له عقلاء الصحابة .. فقد روى ابن هشام في السيرة: أن أبا أيوب الأنصاري بات يقظان ساهرا متوشحا بسيفه، يطيف بالقبة التي دخل فيها النبي صلى الله عليه وسلم على صفية، فلما أصبح رسول الله سمع حركته ورأى مكانه فسأله: مالك يا أبا أيوب؟
أجاب: (يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة، قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك) .
فدعا له الرسول وقال: (اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني) [4] .
· ... وينظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه صفية فيرى بعينها خضرة (سوادا) فقال لها: (ما هذه الخضرة بعينيك) .. ؟ قالت: (قلت لزوجي كنانة بن الربيع -في ليلة عرسي- إني رأيت فيما يرى النائم كأن قمرا وقع في حجري، فلطمني) . وقال: (أتريدين ملك يثرب) [5] ؟
إن موقع صفية في بيت أبيها حيي زعيم بني النضير، مكّنها من الإطلاع على خبايا الفكر اليهودي المتعصب الحاقد .. كانت تسمعهم يحذرون العرب وهم أهل شرك وأوثان، من أن نبيا سيبعث، قد أظل زمانه، نتبعه، فنقتلكم معه، قتل عاد وارم، وكانوا يصفونه لهم بصفاته.
فلما بُعث النبي الخاتم وهاجر إلى المدينة سمعت صفية بأذنيها ما دار بين أبيها وعمها .. ولنستمع إليها تحدثنا. قالت:
(كنت أحبَّ ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولدهما إلا أخذاني دونه. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، غدا عليه أبي وعمي مغلّسين، فلم يرجعا حتى كان مع غروب الشمس، فأتيا كالّين ساقطين يمشيان الهوينا. فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إليّ أحد منهما مع ما بهما من الغم. وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي:
أهو هو؟ قال: نعم والله.
قال عمي: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟ أجاب: عداوته والله ما بقيت [6] .
فهل يستغرب أحد بعد ذلك أن تحلق صفية في أجواء الدين الجديد .. وأن ترى قمرا يقع في حجرها .. فتؤمن بالنبي ويحسن إسلامها .. يقول رسول الله لعائشة: كيف رأيتها .. ؟ فتجيب: رأيت يهودية. ويرد عليها رسول الله: لا تقولي ذلك، فإنها أسلمت وحسن إسلامها [7] .
أبي هارون وعمّي موسى