المقادة، كن يراجعنه في كثير من أموره، ويرددن عليه حتى صرن قدوة يقتدي بها بقية النساء، فإذا أنكر زوج حق زوجته في مراجعته احتجت عليه بعمل الرسول فأسكتته، وما أطرف حديث عمر بن الخطاب يقص فيه ما جرى له معهن، ويصف هزيمته وكيف انكسر لهن، على رغم شدّته، قال:
والله إن كنّا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم، فبينا أنا في أمر آتمره إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا. فقلت لها: ومالكِ أنت ولما هنا؟ وما تكلفك في أمر أريده؟
فقالت لي: عجبا لك يا ابن الخطاب، ما تريد أن تُراجعَ أنت وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظلّ يومه غضبان. فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة، فقلت لها: يا بنية إنك لتراجعين رسول الله حتى يظلّ يومه غضبان؟
فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه. فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله. ثم خرجت حتى أدخلَ على أم المؤمنين أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها فقالت لي:
عجبا لك يا ابن الخطاب: قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله وأزواجه؟ فأخذتني أخذا كسرتني به عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها [6] ..
لقد ارتفعت مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي .. وكانت أمهات المؤمنين رائدات التغيير في ذلك المجتمع قريب العهد من الجاهلية.
كانت السيدة عائشة رضي الله عنها زعيمة الآخذين بناصر المرأة، والمنافحين عنها بلا منازع، وإليها وحدها تتطلع أبصار المستضعفات، لما تمّ لها من المكانة الكبيرة في العلم والأدب والدين، حتى تقطعت دون مقامها الأعناق، وكانت أستاذة لمشيخة الصحابة الأجلاء في كثير من أمور العلم والدين.
ولبث الخلفاء الراشدون يرعون منزلتها ويشاورونها ويسألونها المسائل ويرجعون إلى رأيها، وهي واقفة بالمرصاد لكبارهم: تصحح لهم كلما رأت خطأ في حديث يحدثون به أو حكم يصدرونه. وقد ألّف الزركشي كتابا قائما برأسه على الأمور التي استدركتها عائشة على أعلام الصحابة.
بلغها أن عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت:
يا عجبا لابن عمرو: يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! .. لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد وما أزيد أن أُفرغ على رأسي ثلاث إفراغات [7] .
أما إذا تعلق الأمر بكرامة المرأة ولو من بعيد، فيا لهول ما يلقى المخطئ من عنفها، وإذًا لا يقوم لغضب السيدة شيء: دخل عليها رجلان فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله كان يقول: (إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار) ، فطارت شقة منها في السماء وشقة منها في الأرض وقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، إنما قال: (كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدابة والدار) . وبلغها عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب) . فقالت عائشة معنفة مصححة: (شبهتمونا بالحمير والكلاب. والله لقد رأيت رسول الله يصلي وأنا على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله فأنسل من عند رجليه) . فيخضع الأصحاب لفتواها، ويزيدونها على الزمن إجلالا.
وإلى السيدة عائشة رضي الله عنها يرجع الفضل الأكبر -بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - في إعظام الناس المرأة الإعظام اللائق، حتى ظهر في كثير من اللائي طمحن إلى اقتفاء أثرها في الشجاعة الأدبية والجرأة [8] .