الصفحة 86 من 217

قال الذهبي: لم يَرِدْ أنه ^ كتب شيئا، إلا ما في صحيح البخاري من أنه يوم صلح الحديبية كتب اسمه"محمد بن عبد الله". واحتج بذلك القاضي أبو الوليد الباجي ، وقام عليه طائفة من فقهاء الأندلس بالإنكار وبدّعوه حتى كفره بعضهم (1) . والخطب يسير، فما خرج عن كونه أميا بكتابة اسمه الكريم ، فجماعة من الملوك ما علموا من الكتابة سوى مجرد العلامة، وما عدهم الناس بذلك كاتبين، بل هم أميون ، فلا عبرة بالنادر ، وإنما الحكم للغالب . والله تعالى فمن حكمته لم يُلْهِم نبيه تعلم الكتابة حسما لمادة المبطلين كما قال تعالى: ?وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون? [العنكبوت:48] ومع هذا فقد افتروا ?وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وعشيا? [الفرقان:5] فانظر إلى قِحَة المعاند ، فمن الذي كان بمكة وقت المبعث يدري أخبار الرسل والأمم الخالية ؟ ما كان بمكة أحد بهذه الصفة أصلا . ثم ما المانع من تعلم النبي ^ كتابة اسمه واسم أبيه مع فرط ذكائه ، وقوة فهمه ، ودوام مجالسته لمن يكتب بين يديه الوحي والكتب إلى ملوك الطوائف؟

…ثم هذا خاتمه في يده ونقشه محمد رسول الله . فلا يظن عاقل أنه عليه السلام ما تعقّل ذلك ، فهذا كله يقتضي أنه عرف كتابة اسمه واسم أبيه . وقد أخبر الله بأنه صلوات الله عليه ما كان يدري ما الكتاب . ثم علّمه الله تعالى ما لم يكن يعلم .

(1) كان ممن كفره الفقيه أبوبكر ابن الصائغ، وقال إنه تكذيب بالقرآن. قال الذهبي في تذكرة الحفاظ (3/921-922) : فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبحوا عند العامة ما أتى به خطباؤهم في الجمع، وقال شاعرهم:

برئت إلى الله ممن شرى دنيا بآخرة * وقال: إن رسول الله قد كتبا

وراجع أيضا: ميزان الاعتدال (3/507-508) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت