فهرس الكتاب
بِسهام يثربَ أو سهام بلاد
ولعل صناعة القسي قد حظيت بالنصيب الأوفر من عناية الشعراء، فهم يذكرون خشبها الذي صنعت منه، ويسترسلون مع القوّاس من لحظة اختيارها من شجرة نَبْع أو شوْحطٍ أو ضال أو غيرها، في رأس جبل شاهق تحول دون الوصول إليها الصخور الحادة، فإذا وقعت نظرة القواس عليها وتم له اختيارها، ارتقى الصخور التي تدمي يديه، وعرض نفسه للهلاك، فإذا ما تمكن منها وقطعها بفأسه، صنع قوسًا يقوم عليها أحسن القيام، فيتركها في الظّل لتشرب ماء لحائها حولين كاملين لتقوى وتشتد، ثم يُعْمَلْ ثقافه فيها فيقوم اعوجاجها ويبرى منآدها لتكون حسنة الصنعة، محكمة شديدة الاستواء، يقول أوس بن حجر [1] :
ومَبْضُوعَةً من رأس فَرْعٍ شَظِيَّةً ... بطَوْدٍ تراهُ بالسحاب مُجَلّلا
على ظَهْرِ صَفْوانٍ كأن مُتُونَهُ ... عُلِلْنَ بِدُهنٍ يُزْلِقُ المتنزلا
يطيف بها راعٍ يُجَشِّمُ نَفْسَهُ ... ليكِلئَ فيها طرفهُ متأملا
فُوَيْقَ جُبَيْلٍ شامخ الرأس لم تكن ... لِتَبْلُغَهُ حتّى تَكَلّ وتعملا
فأبْصرَ ألهابًا من الطّوْدِ دونها ... ترى بين رأسَيْ كلّ نيفَيْنِ مَهْبلا
فأشرط فيها نَفْسَه وهو مُعْصِمٌ ... وألقى بأسبابٍ له وتوكلا
وقد أكَلَتْ أَظْفَارَهُ الصخر كلما ... تعايا عليه طول مَرْمَى تَوصَّلا
هذه الصعوبات الجمة لم تمنع القواس من الوصول إليها، لأنه رأى فيها القوس المثل الذي يطمح إليه ويطمح في صنعه،
فما زال حتى نالها وهو مُعْصِمٌ ... على موطن لو زلًّ عنه تَفَصَّلا
فأقبل لا يرجو التي صعدت له ... ولا نَفْسَهُ إلاّ رجاءً مؤمّلا
فما نجا من ذلك الكرب لم يزل ... يُمَعِّظها ماء اللحاء لتذبلا
(1) . ديوانه 85.