قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ [1] .
وهو أول من يتمثل القرآن، وكان خلقه - صلى الله عليه وسلم - القرآن، وإذا لم يكن العدل عند النبي - صلى الله عليه وسلم - من البشر فعند مَنْ يكون؟!
وهذا العدلُ الذي تميّز به - صلى الله عليه وسلم - يُعَدُّ أسلوبًا مؤثرًا من أساليب الدعوة. فعندما يُذكر المرء أو القوم بصفاتهم الحسنة وخلالهم الجميلة، حتى وإن كانوا كفّارًا. فإنه مما يدعوهم لحب المادح وقبول المبادئ التي يدعو إليها.
وأقل ما في الأمر يلزمون الحياد ويمتنعون من الإيذاء.
وهذا مثال عدل في مدح قبيلة من الأعراب وهي على الكفر قبل الإسلام. قبيلة شيبان بن ثعلبة. التقى بهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يعرض نفسه على القبائل، وكانت من أحسن القبائل ردًا على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل عرضت عليه المنعة مما يلي أرض العرب. ورأى فيهم حُسن الرأي والوفاء بعهدهم مع الفرس. فقال لهم - صلى الله عليه وسلم:"ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وأخذ منهم وعدًا ليسلموا إن أظهر الله دين الإسلام. ثمَّ قال - صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض وبها يتحاجزون فيما بينهم" [2] . و كان من نتائج ذلك أنهم وفوا بوعدهم و دخلوا في الإسلام بعد ظهوره و لم يتأذى المسلمون منهم بأي أذى، بل كان منهم قادة و مشاهير شاركوا في الفتوحات الإسلامية.
(1) سورة الأنعام، الآية 152.
(2) دلائل النبوة، البيهقي، 2/ 422 ـ 427، ووردت القصة بألفاظ متقاربة في: الروض الأنف، السهيلي 4/ 60 ـ 64. و عيون الأثر، ابن سيد الناس، 1/ 258 ـ 260. و البداية والنهاية، ابن كثير، 3/ 139 ـ 143. و سبل الهدى والرشاد، الصالحي، 2/ 453.