وهكذا كانوا يؤلفون أول الأمر لكل فن من فنون علم الحديث كتابًا، ثم لما تقعدت المسائل، ونضجت المباحث، واستقرت الاصطلاحات جعلوا كل نوع بابًا من أبواب المصطلح، كما هو الحال في كتاب الإمام ابن الصلاح:"معرفة أنواع الحديث"، وقد يطول النوع أو يقصر بحسب ما كتبوا فيه، وما دخل تحته من مسائل وفروع وفوائد وتنبيهات.
ويمكن أن يقال: إن الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ (150 ـ 204هـ) ، هو أول من دوَّن بعض المباحث الحديثية في كتابه:"الرسالة"، فتعرض فيه لجملة مسائل هامة مما يتصل بعلم المصطلح، كذكر ما يشترط في الحديث للاحتجاج به، وشرط حفظ الراوي، والرواية بالمعنى، وقبول حديث المدلس، واشتهر عنه موقفه من (الحديث المرسل) ، واستعمل (الحديث الحسن) كما ذكره الحافظ العراقي في حاشيته على"مقدمة ابن الصلاح" (6) .
أطوار علوم الحديث:
لقد اعتاد الباحثون في علوم السنة تقسيم كتب علوم الحديث إلى طورين:
الأول: طور ما قبل كتاب ابن الصلاح"معرفة أنواع علم الحديث".
الثاني: طور كتاب ابن الصلاح، وما بعده (7) .
الطور الأول:
أما بدء الطور الأول لهذا العلم فلا شك أن الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ (150 ـ 204هـ) أول من نعلمه تكلم عن بعض علوم مصطلح الحديث كلام تقعيد وتأصيل في كتابه المشهور بـ"الرسالة".
وإليك طرفًا مما قاله الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ في"الرسالة"مما يتصل أوثق اتصال بمصطلح الحديث.
قال ـ رحمه الله ـ في (باب خبر الواحد) (8) :"قال لي قائل: احْدُدْ لي أقلَّ ما تقوم به الحجة على أهل العلم حتى يثبت عليهم خبر الخاصة."
فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أو من انتهى به إليه دونه، ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا: