فهرس الكتاب
في كل حوار أستمع إلى المزيد، وفي كل الأحوال أبتهج، هل لأن سنوات الغياب أحدثت نقلة في حياتك؟ هل لأنك استطعت مواجهة الغربة على صعوبتها؟ أم أن إيمانك بالتغيير الذي خططت له ذات يوم، حثّك على المثابرة في سبيل الوصول؟ لم تكن تهمّني الآراء التي بدت وكأنها لا تخصّك، أو كأنني لا أريد تصديقها، أو أن تلك الصفات التي أطلقوها عليك لا علاقة لك بها، فهي لا تبدّل ما بي، فأركن إلى كل جميل، لأزداد شوقًا إليك واعتزازًا. أصبح أكثر ثقة، وأكثر مقدرة على الاستيعاب، الحب والانتظار، وأتحوّل إلى فراشة، أرقّ، أفرح، أتذكّر، فما زال للمسة يدك فعل الذاكرة، أشتاق إليها، وأستعيد كل لحظة جمعتنا، كأنك لم تغب يومًا، كأنني سأراك للحال، مع إغماضة عيني، أو في صمتي وهدوئي، أو حين أعبر طريق النهر، وأنا أراقب الأطفال الصغار، وكم يحلو لي البحث عن طفلين، هما نحن في لحظة فرح، أنا وأنت، فراشتان تعبران الحقل. نقطف وردة، أو نصعد البيدر، نراقب الزرع، نضحك، نضحك.
يسحبني أخي من شرودي عبر كلماته العابرة:
ـ سيزور أحمد القرية.
تساءلت بلهفة:
ـ متى؟ متى؟
ـ ما بك يا هند؟ إني أتحدّث عن جارنا أحمد، الذي قد يزور القرية.
ارتبكت.. قلت اصطنع اللامبالاة:
ـ أنت قلت سيفعل ويزور القرية.
ـ فليفعل أم لا، ما الذي يهم؟
لا أدري إن لاحظ خجلي. شعرت بسخونة في وجهي، أدرت ظهري منهمكة ببعض الأعمال، سمعت صوته متابعًا:
ـ كثيرون لا يحبّونه، ويتّهمونه بالمواربة.
ضحكت زوجة أخي وهي تؤكّد ما يقال، ولم تنس الحديث عن فتيات يحطن به، لكن مثله لا يتزوّج، فهنالك أكثر من شائعة حول مسلكه الملتوي.
بالنسبة لي. كان الحديث عنك أهم ممّا سيقال. يكفيني أن تذكر. أن يرد اسمك. أن تمدح أم تذم. أن تكون وسيمًا أم قبيحًا. أن تشيخ أو تتبدّل. أن تعيش حياتك كما تشاء وكما ترغب، فأنت الذي كان، والذي أريده كيفما كان، وكيفما يريد أن يكون. أنت عالمي الواسع والضيق، أينما كان هذا العالم، في القرية أم في المدينة، أم في أية بقعة في هذا العالم.