فهرس الكتاب
مع استعادة خبر المجيء، احتلتني سكينة مشوبة بالفرح، كنت تلك اللحظة تعبر في شراييني، وتخفق مع نبضي، مجيئك هو الحقيقة الواحدة في حياتي، هو الحلم والطفولة والصبا، هو الأمل الطويل، لقد اقترب كل شيء، ها أنا أواجه الحاضر، أعدّ سنوات الانتظار. اختلط الفرح مع الأسئلة المتراكمة عبر عمر طويل مضى، ما بين الحاضر والذكرى والانتظار، خفق قلبي أكثر. أسرعت إلى المرآة، راقبت وجهي وتقاطيعي. راقبت شعري، هل دبّت السمنة إلي؟ كان أحمد يقول (أريدك كيفما كنت) هذه أنا لم أتبدّل، وربما ازددت تألقًا، إنه الحب الذي يسري في النفس والجسد، يفعل السحر في الروح والخلايا، ما أعذب ذلك الخبر؟ وما أعذب مجيء أحمد.
استيقظت صباحًا على خبر رحيل أسرتك إلى المدينة. علّقت أمك على أن لا بديل لها عن القرية، وستعود إليها باستمرار، وعلّقت أيضًا أنها لا ترفض لابنها مطلبًا، وأنها تحقق رغباته، فهو يريد العيش قريبًا مع أسرته التي يعتبرها صغيرة، ولا يستطيع البعاد عنها طويلًا.
أعترف أنني انقبضت، ليس بسبب رحيل أسرتك يا أحمد، إنما لأسباب أخرى. كانت أسرتك أهم ما في عالمي، أرى وجهك بهم، ووجودك بينهم، وأستمع إلى صوتك عبر استمرارهم في القرية، القرية التي كما قلت ستكبر بعودة أبنائها، وليس برحيلهم عنها، وانقبضت أيضًا لأن حلمي بمجيئك هدم فجأة، مجيئك أصبح من الماضي، من الذكرى، من فكرة عابرة، ورحيل أسرتك يضعني لأول مرة في التساؤلات، لم؟ ولماذا؟
هل أرسلت البديل؟ هل كنت وراء فتح الطريق المؤدي إلى القرية، ووراء فكرة المستوصف الذي بوشر بإنشائه، من الذي اجتهد لتحقيق فكرة المدرسة الابتدائية، وقيل بأن لا علاقة لك بذلك، وأنك لاه في الثراء الذي هبط عليك. كنت تحب الدراسة تحت ضوء القمر، كما كنت تحلم بالكهرباء، وأنا حلمت مثلك بالضوء الذي سيدخل قريتنا، ويضيء جوانب عتمتها، لتصبح أجمل وأكثر عطاء. لماذا لا تكون أنت وراء قريتنا التي أبعدها الفرح عن التساؤلات؟ وكأن البهجة تطيح بكل الشكوك، خاصة وأن المباشرة باتت يقينًا أمام مد العمل، ومجيء الورشات، وعمّ هرج عفوي كل الوجوه، ولا أدري لماذا حاصرتني عيناك وأفكارك، وكأن السنوات التي غبتها تُختصر في أحاديثك التي تنهض في الذاكرة، كأنك وراء ما يحدث في القرية، أليست هذه أحلامك؟ وأمنياتك؟ وآمالك؟