فهرس الكتاب
هكذا مرّت الأيام والسنوات، كبرت القرية، وكبرت أنا، ولم تأت أنت، ولم يأت أطفالنا الذين حلمنا بهم. أرى نفسي وقد تعوّدت. لم يعد للحلم مكان في حياتي، أن تعود أو لا تعود، أن تكون وراء ما يجدّ في القرية أم لا تكون، أن تكون في أفضل مكان يليق بالرجال أو لا تكون، لم يعد يخفق قلبي لذكراك أو لحديث عنك، هكذا استسلمت للزمن والحاضر، تعوّدت على كل ما أراه، مدرسة القرية ومستوصفها وطرقاتها، تعودت على نفسي ووجودي، توقّفت التساؤلات عن أسباب تمنّعي عن الزواج، أمي، أبي، الجيران، تحوّلت في عيونهم إلى العمّة، والخالة، وربما الأم التي تحنو على الصغار، والابنة التي سُخّرت لخدمة الوالدين. هكذا غبت في خضمّ الحياة، واستُبدلت بأشياء أخرى، أصبحت أعيش حياة جديدة، حياة لم تكن لي، وانخرطت باهتمامات مفروضة سلفًا. لم يعد لأحلامي مكان، أو لأموري الخاصة، نسيت المرآة، وأثوابي المزركشة، تجاهلت شعري ونعومة أصابعي، وترتّب علي أسلوبٌ وجدت نفسي أنخرط في تطبيقه يومًا إثر يوم، أما التفكير بك فأصبح أمرًا مختلفًا، له طعم العبور والذكرى، لم يعد يخفق قلبي أو تزغرد ذكراك في أوصالي، فتأخذني الأحاديث عنك إلى عوالم بعيدة، فأشعر بحنين لا يشبه حنيني إليك، بل يشبه التمنّي إلى حياة تحمل الفرح، وأحاول التذكّر، كيف أصبح شكل أحمد؟ لونه؟ وتقاطيعه؟ هل تسلل الشيب إلى خصلات شعره، كما فعلت السنوات بي؟ هل ما زال نحيل الجسد؟ أعرف تمامًا أنك لم تتزوّج، وأن لك من العلاقات كثيرها، ربما كان ذلك افتراء، وربما كان حقيقة، فقد تعدّدت الأسماء والمواصفات، شقراء ثم سمراء، قد يكون ذلك من الشائعات، لكن! لم لا يكون من الحقيقة؟! كم شغلتني هذه الأمور في يوم مضى؟ كنت أفرح بأخبارك ويعجبني أنك محور التفكير والأحاديث، وأحلم أن أقترب منك كما يفعل الآخرون، كأخوتك وأصدقائك، فأشتاق إليك كما يحصل معي في ساعات الهدوء، وكأن الطبيعة في القرية تهيئ الأجواء، فتذكّر بالحب، وتحثّ الشوق للبحث عن لقاء، أصبح هذا من الذكرى والأحلام، أصبحت أفكر بطريقة أخرى، فأنا مدركة تمامًا أننا لم نعد واحدًا، بل نحن اثنان. قرية ومدينة. أنا وأنت، وأحتفظ بصورتك، فأنت الذي أحببته ذات يوم، والذي لا أستطيع استبداله أبدًا، أو نسيانه، لقد غفا قلبي على أحلى الصور، ونامت مشاعري على أجمل الأحاسيس، كل أشيائي غافية، نائمة، ولن يستطيع إيقاظها أحد، لأنها موصدة ولأن مفاتيحها باتت في طي المستحيل،