فهرس الكتاب
الذي غاب ذات يوم ولم يعد.
دمعة
قلت للطفل المشاكس، محاولة الحدّ من تدخلّه:
ـ أحتاج إلى الهدوء والراحة. يجب أن أكتب شيئًا هامًا.
عقد ذراعيه. بدا أكبر من عمره. قال:
ـ اكتبي عن الأطفال.
سألته بتحبّب وأنا أردّد الكلمة:
ـ الأطفال؟
خطا نحوي مادًّا ذراعيه بثقة. كان في عينيه نظرة تأكيد، وفي صوته نبرة أمر. تابع:
ـ اكتبي عن أطفال العالم.
هززت رأسي، وكان يتابع:
ـ لأن الأطفال في العالم لا يموتون.
ابتسمت وأنا أسأله:
ـ كيف؟
أجاب بثقة:
ـ هكذا. يجب ألاّ يموتوا. فهم أطفال صغار.
ـ وهل يموت الكبار؟
انتفض والدمعة بعينيه، ودخل في حالة من غضب، فأنا لا أفهم شيئًا، فهو لا يحب الموت، ولا يرغب بقتل أحد، لا أب ولا أم ولا أحد من الأبناء.
تذكّرت للحال تلك المرأة وذلك الطفل الجميل، وكانت تجيبه على سؤاله قائلة:
ـ أنت لست من هنا يا بني.
ـ ولماذا أعيش هنا؟
ـ عندما تكبر ستعرف!
ـ أريد أن أعرف الآن!
حضنته بحب، ولم تقل له شيئًا، فقد حضر ذات فجر مع بعض أطفال مشرّدين، اختلطت أسماؤهم وأعمارهم. كان أسمر التقاطيع، لا يتعدّى الثالثة من العمر، بعينين متوقّدتين، وفم يتلعثم بالكلمات، يطبق بكفه على بضعة براعم من زهر الليمون، وقد سكنه الخوف والرعب.
تذكر المرأة ذلك اليوم جيدًا، وكانت مع زوجها يتابعان بلهفة تحركات الطفل، ويكتشفان مدى القلق والحزن في عينيه، فالخوف في نظراته وفي تقاطيع وجهه. خفق قلب الرجل الذي أحبه جدًا، وتمنّى احتضانه كما حصل مع زوجته التي كانت حزينة ومتأثرة أيضًا، فيكفي لعيني الطفل أن يبكيا، ولجسده أن يرتجف، وأن ينزوي خائفًا من جديد، بينما يروح في بحث متواصل عن شيء، وكأنه فقده منذ زمن.
مسّدت المرأة شعره بأصابع مرتعشة، يومذاك تحقّق ما رغبت به، كما تحقّق ما كان يرغب به زوجها، وأصبح لهما طفل جميل، وراحا يبحثان له عن اسم.
ـ ما اسمك يا صغيري؟
سقطت دمعته. ربما كان خائفًا، لكنه لم يجب، ولم يجب أيضًا في أيام أخر، ورحل مع الرجل والمرأة اللذين أطلقا عليه اسم (رامز)
قالت المرأة:
ـ ربما كان اسمه رامزًا، فهو يلبّي كلما ناديناه بهذا الاسم.
قال الرجل:
ـ وربما كان له اسم آخر.. من يدري؟