فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 55

اجتهد الرجل وزوجته لتأمين الراحة للطفل، وحاولا التعويض له بما يبذلانه من حب وحنان. أصبح له غرفة نوم، ولعبٌ وأبٌ وأمٌ، غير أنه بقي متوتّرًا، فأقل صوت يربكه، وأقل حركة تقلقه، وحين اقترب الشتاء وزمجرت السماء، بكى بهلع، وهرع إلى أحضان المرأة خافق القلب، ناداها لأول مرّة بأمي، وطالبها بإغلاق النوافذ والأبواب لأن شيطانًا آت، لم يكن يعرف لماذا هو خائف، أو لماذا هو قلق، فما يحصل معه له علاقة بالشرّ، طالما يميت الناس ويدمّر بيوتهم، ويتركهم بلا أهل أو مأوى. غير أن الرجل اقترب منه وضمّه إليه ثم طمأنه، فلن يحدث له ما يخيف، فالبلد بخير، والناس بخير، ولا أحد يريد الأذى مطلقًا.

بدت مظاهر السعادة على الرجل والمرأة أخيرًا، فالصبي طفل مميّز وذكي، لولا مسحة الحزن التي تغلّف تقاطيعه بين الفينة والفينة، فيركن للصمت، ويصر على متابعة الصور المنقولة عبر وسائل الإعلام، فينتفض فجأة ويبدو أكبر من عمره، ويروح بمراقبة كل شيء، باحثًا عن تعليق، وكأنه في تذكّر ما، فهذا رجل يشبه أحدًا في الذاكرة، وقد تكون هذه المرأة من أقاربه، أما هذه الأجواء فتعبق بعطر الليمون، ويصبح ساهمًا، فيحاول الرجل خلق أجواء لها علاقة بالطفولة. يلاعبه أو يحكي له القصص الجميلة، متعمّدًا إبعاده عمّا يقلقه، أو إخراجه من البيت، ويشعر بتعلّقه الشديد به، خاصة حين يناديه بأبي. هكذا حقّق له هذا الطفل الأمنية المنشودة.

كان رامز متفوّقًا في مدرسته، ومتسائلًا باستمرار، فلا يقف عن طرح الأفكار. كانت أسئلته تتمحور حول ما يحدث في العالم، ولماذا يموت الآباء ويشرد الأطفال؟ لماذا تدمّر البيوت وتخرّب المدن؟ لماذا يمرض الأطفال؟ لماذا يجوعون؟ لماذا يوجد فقر وقهر وأحزان؟ لماذا ولماذا؟ غير أن الأجوبة بقيت غامضة، ولم يستطع التوصّل إلى قناعة تعيد التوازن إلى ما حوله، وحين شاهد الموت على التلفاز ذلك الصباح يصيب الأطفال والشباب والشيوخ. شاهد الوجوه تنحني بقهر، وشاهد العالم يصرخ ويصرخ، ولم يسمع إجابة ما.

بكى بغزارة تلك الليلة، كانت الصور تكبر، والتساؤلات تكبر، ولم يتوصّل إلى سبب يكشف الحقيقة المتوارية خلف ما يحدث في كل الأوقات.

عاد الطفل المشاكس إلى الكلام قائلًا:

ـ قلت لك إن الأطفال لا يموتون.

ـ وهل يموت الكبار؟

تأفف وراح يصف مشاعره كلّما وقع طفل في مأزق.

ـ أعرف هذا تمامًا.. لكن.. قل لي: هل تحبّ الأطفال حقًا؟

ـ طبعًا أحبهم، وهم يعرفون هذا.

ـ كيف؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت