فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 55

تململ.ثمَّ قال جادًّا:

ـ لأنني وعدتهم بأشياء كثيرة.

ـ وهل ستنفّذ وعودك؟

ـ بدا مستاء، أو أنني أستفزّه، فخرجت كلماته مصحوبة بالغضب واللوم، وكأنها تهرب من غصّة طويلة. قال:

ـ أكون قد كبرت. سأدرس وأتعلم وأقرأ كل شيء. ألا تفهمين؟

ـ طبعًا أفهم، وأفهم أشياء كثيرة أيضًا.

نظر ببراءة، ثمَّ ضحك كثيرًا.

أصبح رامز أكثر شبابًا، وكان أن لفت انتباه الجميع بشخصيته المختلفة، وأحلامه المتدفقة، أما في أوقات الفراغ فيلتفت للقراءة، يختار كتابًا وينزوي في ركن، مسترسلًا دون ملل، إلى أن يفرغ من محتويات ما يقرأ. علّق الرجل على اختيار ابنه لكتب لها علاقة بالكبار، ويراقب علامات الخيبة التي تعلو تقاطيع وجهه، ويصاب بالدهشة بعودة التفاؤل إليه ثانية، فيتوثّب الفرح فجأة، وكأنه على موعد مع المقبل الذي سيقلب الموازين، لم لا؟ قال هذا ذات مرة. كان الرجل يحلم بذلك أيضًا، غير أن الأخبار الجديدة حملت مزيدًا من الرهبة، ففي كل مكان من هذا العالم موت ودمار. لتلقي الجميع في متاهات القلق وفي الخوف من الحاضر والآتي، خاصة الأطفال وهم يستمعون إلى مفردات لها علاقة بالخراب. ما حدث أن رامزًا كان قد نسي قبل سنوات، أحلامه الطفولية ولعبه وملاحقة العصافير والفراشات، كما نسي بعد ذلك كل شيء، عدا الظلم المقترن بحياة الكثيرين في هذا العالم.

ذلك اليوم حدثت أمور غريبة، قالت المرأة لزوجها، بأنها شاهدت رامزًا يخرج من غرفة نومه، وكأنه يسير طائرًا، وكان أجمل من أي يوم مضى، بينما وجهه يطفح بشرًا. حين نادته لم يسمعها. كان غارقًا في التأملات. حاولت الحديث معه. لم يجب. اتجه نحو غرفة المكتبة. حمل ما يستطيع حمله من الكتب واتجه نحو الباب. حاولت اللحاق به. لم تلحق به. كان أسرع منها.

حين نهضت من فراشها، أدركت أنها في حلم طويل، وحين أسرعت للبحث عنه، لم تجده. تنشّقت عطر زهر الليمون الذي كان مولعًا به، وشاهدت فراشه مازال دافئا، وكأن أنفاسه مازالت تعبق في أرجاء الغرفة.

وحين اتجهت إلى غرفة المكتب تأكدت أنها في حقيقته، فيد ما امتدّت ونفضت الغبار عن تلك الكتب وحرّكتها من أماكنها.

ـ أين هو إذن؟!

ـ سيعود حتمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت