فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 55

عاد رامز ذلك اليوم متفائلًا، كان شغوره يتنامى كلما تذكر رفاقه الذين يشاركونه الرأي. كان متأكدًا من وصولهم إلى الحقيقة، وعليهم مجابهة الآتي بوعي وثقة، لم يعد يهمهم ما تنقله وسائل الإعلام، ولن يفكروا بما يجري في هذا العالم، أو فوق هذه الأرض الجميلة، لن يهتموا بما مضى أو بما يحدث، فما يجري له علاقة بقوة غاشمة ستؤول إلى التقهقر ذات يوم، لأن المقبل آت وهو أجمل من الآن بكثير.

تابع بين دهشة أمه وأبيه قائلًا:

ـ سيتحول الحلم إلى واقع حتمًا!

ـ كيف؟

ـ سيحدث.

حافظ كل من المرأة والرجل على الدهشة، قال معاتبًا:

ـ ما بكما؟

أومأت المرأة بحنان، وغمغم الرجل بذهول:

ـ قولا (سيحدث) .

كانت المرأة وزوجها اللذان انتظرا عودة رامز مسترسلين في التفكير، وينظران إليه باندهاش.

سألني الطفل المشاكس:

ـ هل انتهيت من الكتابة؟

ـ ما رأيك؟

ـ لماذا لم تكتبي عن الأطفال الذين لا يموتون؟

ضحكت وأنا أمسد فوق شعره. انتفض قائلًا:

ـ أنت لا تعرفين شيئًا. حين أكبر سأكتب عن كل شيء.

عانقته وأنا أكفكف دمعتي التي لا أدري إن كانت دمعة فرح أم حزن أم كليهما، لكنها كانت دمعة أمل حقيقي لن يموت.

(ثوبي) عشية العيد

هاهي الذكرى تعود. العيد يقترب، وكان مجيئه ذلك العام مختلفًا عن سنوات سابقة، فقد عوّدتنا أمي على ارتداء أجمل الأثواب، وكانت تصنعها بيديها، فنبدو كالفراشات تارة، أو كطيور الحمام تارة أخرى. أذكر انتظار الجميع لمفاجآت أمي، فتعتكف عشرات الأيام، لتخرج من يديها تلك القطع الجميلة، ولتتباهى مع نظرات الإعجاب والتأمل، فكيف تبدع امرأة كل هذا الجمال والدقة؟

تمنّعت أمي ذلك العام عن تحضير أثواب العيد، وأرجع الجميع ما هي فيه، إلى مرض عصابي تتفاقم أعراضه عندها يومًا إثر يوم، وكان باستطاعتي معرفة أننا على وشك الحرمان، من مظاهر العيد، وكان بالنسبة لي أهم حدث سنوي، أنتظره من عام إلى آخر، وبالتالي لن ألبس جديدًا، ولن أخرج برفقة أمي وأبي وأخوتي الصغار، سيرًا إلى الكنيسة مرورًا بالشارع الذي كنت أراه متّسعًا جدًا، خاصة وهو يغص بالناس، وبالآباء الذين يسخّرون أكتافهم لحمل الأطفال، بشموعهم المزيّنة زهورًا وأشرطة، تيمّنًا بأغصان الزيتون. هذا ما درجنا عليه في يوم (الشعانين) لاستقبال الطفل يسوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت