فهرس الكتاب
كنت آنذاك في مرحلة الانتقال، من عالم الطفولة إلى عالم الصبا، ولأنني أحمل ميولًا وراثية عن أمي، كنت أنهج أسلوبها في أحيان كثيرة، خاصة وأنا أقلّد رسومها، كانت لوحاتها تعد بالعشرات، ولم تكن تعجبنا لأسباب تتعلق بجهلنا في فن الرسم آنذاك، فنراقبها وهي تمزج الألوان لتشكّل منها فوق (الكرتون) المضغوط، أشكالًا غامضة لم نكن نفهمها، ونضحك إذ تفسّرها في أحيان بالخير، وفي أحيان بالشر، في كل الأحوال لم ترق لنا تلك اللوحات الغريبة، وتبارينا أنا وأخوتي الصغار، في تمزيقها مرة إثر أخرى.
جاءتني الفكرة كالحلم، فبإمكاني كما أفعل وأنا أرسم عصفورًا، أو نجمة أو قرن موز، أن أصنع لنفسي ثوب العيد. أتى القرار يومذاك بسرعة وعفوية، ورحت أستعد لتأمين اللوازم. أخرجت قطعة قماش كانت منسية في الدرج العتيق. خيطان للتطريز. إبرًا. دبابيس. كنت موقنة من استطاعتي خياطة ثوب، أرتديه صباح العيد وأذهب إلى الكنيسة، ولا أكون محرجة أمام أقراني ورفيقاتي، أو محرومة من المشاركة بتلك المباهج.
أستطيع الآن تفسير ابتسامة أبي وإعجابه بي، كما أستطيع تفسير تجاهل أمي، لما أفعله إلى أن أتممت الثوب. كنت مندفعة صباحًا وظهرًا ومساء. منسجمة مع عملي، معتقدة بجودة ما أصنع. رسمت على حوافي القماش طيورًا من حمام وبط وعصافير، ورحت أطرّزها على غرار ما تفعل أمي، وأختار الخيوط الهادئة اللون ـ كما كانت تقول ـ لجلب الطمأنينة في عيد يخصّ الأطفال.
حبكت أخيرًا أطراف القماش. ضممته عند الخصر. جهزّت القسم العلوي. حفرت تحت الإبط. حول العنق. قسمت الثوب أكثر من مرة. إنه ثوب يخصّني. أنا من أبدعه، وأنا التي سترتديه.
عشية العيد حدث ما لم أحسب له. كان ثوبي قد جهز، وكان ـ كما كنت أراه ـ جميلًا ورائعًا. طرحته فوق أريكة قريبة، لأملأ عيني منه قبل لحظات النوم. لكن أمي التي راقبتني طويلًا بدت وكأنها تقرّر أمرًا. كان وجهها ينضح غضبًا واستنكارًا، واستطاعت خلال دقائق تحويل بهجتي إلى خيبة، فقد انقضّت على ثوبي الجميل ومزّقته إربًا. حدث ذلك فعلًا، فبين بكائي وتوسّلي، تحوّل الثوب إلى أشلاء ممزقّة.
برّر الجميع لأمي، فالمرض خرّب أجمل ما عندها، لكني لم أستطع التبرير. احتفظت بحنقي ولومي، وبحزني الطويل على الحلم الذي ضاع. كنت أعتقد أنه أجمل ثوب سأرتديه، وكان الجميع متأثّرًا لحالة أمي عداي.