فهرس الكتاب
وكذلك، فإنّ الفتاوى أو الأحكام التي تتغير هي التي بنيت على ما هو متغير، من عرف أو عادة، أو علة متغيرة.
وكذلك الأمر هنا، فرق بين أن تصدر الفتوى قائلة، لا بأس بجواز الرمي قبل الزوال، حيث ورد في رواية عن الإمام أحمد والإمام أبي حنيفة، ولأنّ الضرورة من زحام وغيره داعية إلى ذلك.
وبين أن نقول لمن يأتي ويسأل وهو مضطر للرمي قبل الزوال، أو حتى ترك الرمي، ارم، أو نقول: من اضطر إلى الرمي قبل الزوال فله ذلك دفعًا لحالة الضرورة، وإلا فلا يجوز له ذلك، والواجب في حقه الرمي بعد الزوال.
إنَ الصيغة الأولى أشبه بقاعدة أو حكم عام، بينما الصيغة الأخرى تعالج حالة استثنائية، وليست هي الأصل.
رابعًا: لماذا يكون الدين، وأحكام الشريعة، أول ما نضحي به للخروج من مآزقنا، الذي صنعنا كثيرًا منها بأنفسنا، فإذا عرضت للإنسان مشكلة ما، أو وقع في مأزق، فإنّ أول ما يخطر بباله وبفكره به إسقاط شيء من أحكام الشريعة أو التنازل عنها أو التساهل فيها، فإذا فعل ذلك فكر في حلول أخرى، وهذه مصيبة كبيرة، وهي علامة على ضعف الإيمان في نفوس هؤلاء، وما تمسكهم ببعض أقوال العلماء إلا حجة يبررون بها موقفهم، حتى لا توجه إليهم أصابع الاتهام بخفة ديانتهم.
خامسًا: إنّ إصدار فتوى عامة بخصوص هذا الأمر يفتح الباب على مصراعيه في التساهل في كثير من المناسك التي تشبهه، فالوقوف بعرفة إلى غروب الشمس من أشبه المسائل به، فالرسول صلى الله عليه وسلم، لم ينفر، ولم ينفر أحد من صحابته -فيما بلغنا- إلا بعد الغروب، وتحيّن للغروب لينفر، وبه استدل الجمهور على وجوب الوقوف جزءا يسيرا من الليل، فلم لا يقال أيضا بجواز النفر من عرفة قبل الغروب ؟ لا سيما وأن فريقا لا بأس به من العلماء قالوا بجوازه، سيما وأن دليله أقوى دلالة عليه، من دليل جواز الرمي قبل الزوال عليه.