وشرُّ ما يكون هذا الانفصام، أن يكون جفاءٌ بين شيئين لا يكون صعبًا ولا شديدًا على العبد ما يكون بينهما من وجوب التوافق والتداني بينهما، بل لا يصلح الأمر بينهما ولا بهما إلا بمثل ذلك، وجماع القول فيه على مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (الإيمان بضعٌ وسبعون شُعبة، أعلاها لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان) ، فمن أراد نجاة نفسه من النَّار أن يجيل قلبه في هذه الكلمة، وَعْيًا لها، بالتدبّر، والفقه، والعمل بكلِّ مفرداتها وكلماتها ومقتضاها كلّه، من غير إفراطٍ ولا تفريط، أما أن يقف عند حدِّ حفظها القلبي المجرّد، والتصديق النفسي التَّصوّري لها، فهذا هو عين التفريط بها، والنبذ الصريح لصحيح معناها، يسير به مكبًّا على وجهه في الدنيا، ويبعث به يوم القيامة، على ما كان فيه من عمله المذهوب به عن الأصل الذي لا يجوز أن ينقطع عنه، أو يفلت منه وهو: لا إله إلا اللَّه، فكلّ عمله ـ تركًا بنهي أو فعلًا بأمر ـ هو المعنى الذي يجب أن لا يغيب عن مسلم ما دام حيًّا·
وهذا قد لا تكون نشأته دفعة أو مرَّة واحدة، بل يكون بالتَّدرّج، الذي يفضي إليه الاعتياد وطول الإلف، الذي يزيل الكراهية، ويقطع الجفاءَ والنّفرة بين أمرين يكون في أول الأمر على جفاءٍ أو كراهية، ثم لا يلبث أن يكون القبول والرضا بين متجافيين أو متكارهين، وليس من شكٍّ أنّ مثل هذا الذي يكون بين أمرين بالتنافر أو التكاره، يحدث ولا بدَّ ضعفًا في الصّدق القلبي، الذي يريدُ به الجافون للعمل البدني الظاهر فصله عن الاعتقاد القلبي ليكون وحده كافيًا في نجاتهم من النار من غير عمل يُعمل، يخرجون به منها، بالشفاعة، على نحو ما يقرّره المرجئة السفهاءُ بفهمهم الذي ينتهي إلى نجاة أهل النار جميعًا بمثل هذا الفهم ذي العوج· إرجاءٌ جديدٌ أنكى من القديم .