هو موافقة ما يكون من الجوارح موافقًا للمعتَقَد القلبي، فإن كان منافاةٌ بين صدق المعتقد القلبي الخفي، وبين ما يجري من عملٍ ظاهرٍ على الجوارح، أي عدم التطابق، بين المقتضي، وهو: صدق الاعتقاد القلبي، وبين المقتضى، وهو: العمل السلوكي المتَّفِقِ مع التّطوُّرِ الاعتقادي القلبي، الصادر عن الجوارح، فهذا ولا شكَّ أنّه من موارد الهلكة لمحض المنافاة بين الجهتين المقتضي والمقتضَى، فكيف إن كان التنافي يكون من انفكاك إحدى الجهتين، وهي التي لا تُعرف الأُخرى إلا بها، لأنها هي الأثر المعبِّر الكاشف لها، والتلازمُ بينهما أمرٌ ضروريٌّ في أقلِّ مراتبه، وأدنى منازله، فكيف يُحكم بهذا التلازم الضروري بين الجهتين على أدنى المنازل والمراتب، ثم لا يكون على أعلاها وأرفعها، وهو الذي عقده ربُّ العزّة سبحانه في آيات الكتاب المبين، وفي كلام سيّد المرسلين، من قرن العمل بالإيمان، وترتيب الثواب الحقِّ على هذا القرن، كقوله سبحانه:
(( ومن يعمل صالحًا من ذكرٍ أو أُنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينَّه حياةً طيِّبة ولنجزينَّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) )·
إذًا، فحتم أن يكون للاتكال معنى غير الذي ضرَّس العقول الفاختة، وسلبها الفهم الذي يقتضيه التلازمُ الضروريُّ بين جهتي التعلُّقِ (المقتضي، والمقتضى) ، ألا وهو: سلب القلب المعنى الحقَّ للصدق، الذي لا يكون إلا بالتطابق الكامل بين ما هو مستقرٌّ في القلب من اعتقادٍ يكون باطلًا بطلانًا كاملًا ـ إن لم يكن ينشأُ عنه صدقُ العمل على نحو ما هو متصوَّرٌ في القلب، وهذا هو قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: (إذًا يتَّكلوا) ، وهذا الاتكال هو الصارف للعلاقة الصِّدق بين ما يحويه القلب وبين ما يظهر من صدق العمل بالجوارح، وهو ما كان يعبِّر عنه الداعية الإسلامي الكبير الشهيد سيد قطب رحمه اللَّه بقوله: (الانفصام النكد) وما أحسنه من تعبير، يصوّر الأمر على جليَّته·