ثالثًا: وكان الأمر يهون، بل وجدًّا يهون لو أنّ الإرجاء بقي عند الحدِّ الذي عرفتْه القرون الغابرة، لكن الإرجاءَ السابق طمس على بصيرته فلم يعد يبصر، حين ظهر إرجاءٌ جديد بصيغةٍ جديدةٍ، على أيدي المتكسّبة الغوّاصين من أدعياء العلم، الذين برعوا في التدليس والكذب، وأخذوا يجوبون الأرض، ويجوسون بين ظهراني الناس، يلتمسون الهدى لهم ولأنفسهم في ظلمة الجهل، ويرون حقًا عليهم لأولئك القابعين في سُدُف جهلهم أن يزيدوهم جهلًا إلى جهلهم، فلم يجدوا أيسر لهم ولا عليهم من أن يغمروهم بآمال المرجئة الناشبة في أحلامهم لتكون لهم النجاة بما يشبه النجاة التي تنسب إلى عيسى عليه السلام، بحمله خطايا المغمورين الغائصين فيها من أتباع الإنجيل مذ كان مبعوثًا به وإلى أن تفنى المسيحية أو قل النصرانية بين يدي الساعة، وإلا فقل لي بربك: ما الفرق بين فكرة الإرجاءِ التي يعتنقها هؤلاء المرجئون الصابئون عن عقيدة الإيمان الحقّ، وبين فكرة الغفران التي تُنسب ظلمًا وعدوانًا إلى نبي اللَّه المسيح عليه السلام؟! وحينئذٍ لا يبقى من فَرْقٍ يمكن أن يُلتمس بين النصرانية المظلومة، وبين الإرجاء المذهوب بأهله إلى الجنَّة من غير عمل صالح يعملونه، يسوَّى فيه بينهم وبين الذين عاشوا أعمارهم ـ بعد أن خاطبهم اللَّه بالتكاليف الشرعية ـ في رجاءٍ في نعمة ثوابه، وخوفٍ من نقمة عذابه، وتلكم لعمرو الحقّ بدهيَّةٌ لا يُستطاع إخفاؤها أو الحنف والمجافاة عنها، ومن هو ذا الذي لا يسعد بمثل هذه العقيدة، إن كان لا يملك إلا جهله، يَرومُ به أخذ نفسه بعلمانيّةٍ ابتدعوها، سهَّلت عليهم فتح أبواب الجنّة، وإغلاقَ أبوابِ النار، عياذًا باللَّه !! وصارت بها المعصية طاعةً أو شبه طاعة، وصارت الجنة من العصاة قاب قوسين أو أدنى، ولعلَّ أهل الطاعة بمثل هذا الفهم يحبّون أن يزوروا النار للاطمئنان على من كانوا يظنّونهم يومًا أنهم من أصحاب الجنّة، وأنهم أهلٌ لأن يكونوا