إذًا؛ فما يكون أسعد من العبد، الذي يكون قد أطلق الحبلَ لمعاصيه في الدنيا، وألمَّ بكلِّ ذنبٍ به الطاعات، ويغوِّرها في بطن النسيان، وسيكون بمثل هذا الظنِّ السُّوءِ ـ عياذًا باللَّه ـ أسعد ما يكون في أُخراه، لأنّه أحْسَنَ الظنَّ باللَّه على أحسنِ ما يكون الظنّ، على الوجه المحبوب للَّه بظنِّه هذا، أليس الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هو القائل، فيما يرويه عن ربِّ العزَّة: (أنا عند ظنِّ عبدي بي) ، بل إنّ هذا الظنَّ وحده، هو خيرٌ من كلِّ الأعمال الصّالحات، لأنّه لم يتعب في عملها، فمن خالف عنه، فإنّه مخلفٌ وعدَ اللَّه فيه، فيكون هو الأهْلَ للعذاب، والأقرب إلى وعيد اللَّه الذي به يستحقّ البقاءَ في سوءِ العذاب، وليس هو الحقيقَ حينئذٍ بشفاعة الشّافع المشفَّع صلَّى اللَّه عليه وسلَّم·
بل؛ إنّه من ثمَّ لا يكون للشفاعة مكان تلبث فيه البتَّة، والطريق سهلةٌ ممهَّدة إلى الجنَّة بغير الشفاعة، وأبوابُها كلُّها مشرعةٌ أمام العصاة المذنبين، يدخلون منها إلى رحبة النعيم المقيم، ولعلّهم داخلوها من قبْل الطائعين المحسنين واللَّه أعلم· أو لربَّما كان من اللَّه نصفةٌ وعدلٌ، يدخلهم جميعًا في وقت واحدٍ، لا يقدّم فريقًا منهم على الفريق الآخر، وحينئذٍ كيف نفهم قول اللَّه سبحانه: (( إنّ للمتّقين عند ربّهم جنّات النّعيم· أفنجعل المسلمين كالمجرمين· ما لكم كيف تحكمون ) )·
لا بدَّ من فقهٍ صحيحٍ لنصوص الشّفاعة
سادسًا: لذا؛ فإنّ حقًّا للَّه علينا أن نطيعه بالفقه الصحيح، فيكون لنا عونًا على طاعته أولًا، ثمّ على طرق السبيل، التي ننتهي بها إلى جنَّته، ولا نضلُّ عن موجبات رحمته، الواصلاتنا برغائب شفاعة نبيِّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم·