الصفحة 18 من 91

سابعًا: ومما يُلْبِس على السَّواد الأعظم من الناس، ويُولجهم موالج الحيرة والتيه، لينتهي بهم إلى ما هو أشدّ من حيرتهم وتيههم، بنسبتهم إلى اللَّه أو إلى رسوله ما لا يحسن من الأفعال أو الأقوال، إمّا على جهة القطعِ، وإما بتأويلٍ يكون بظنٍّ راجح، وكلاهما لا يصيب وجه الحقّ إلا بظنٍّ يُغَالِبُ ظنًّا مثله، وبتأويلٍ لا يستجلبُ إلا سوءًا يزاد به استكراه الحقّ عند أهل الباطل، ويُزاد به الرغبة في استجلابه عند أهل الحقّ، وما كان ليكون لو كانت الرُّؤْية صافيةً، تتناول النّظر إلى النّصوص بالسهولة واليُسر، على نحو ما كانت عليه في الصّدر الأوّل· ومما زاد الأمرَ سوءًا وفسادًا، تلك اللّجاجة التي قضت على الفهم الصحيح للنّصوص، واستخلاص الصَّواب الواضح الجليِّ منها، وأوقعتهم فوق مسارد الشّوك القاسي، فلم يستطيعوا التخلّص من ضرَّائها، بل إنّهم وجدوا في آلامها ووخزها استطبابًا لها، بما تُحدثه من اعتيادٍ وإلفٍ، يُرْقد فيهم القدرة على التفكير في وجهٍ من وجوه الصّواب، ويُشِلُّ عندهم الحركة الذِّهنية، لرؤْية الأُمور الحسِّيَّة والتقديرية، حتى ولو على أدنى ما يكون من الوصول إلى التفكير الحدسيِّ المجلوب إلى بؤرة التفكير بالظَّنِّ، ومما يزيد أيضًا من سوءِ تلك اللجاجة وفسادها، انكباب طوائف شتَّى ـ ممن يقالُ فيهم من ظنٍّ أو خطأ ـ أنهم من أهل العلم مقبلين عليه أو مدبرين ـ على الظُّنون والأخلاطِ العلمية الناشئة من المسارعة في الاستحواذ على مكاسب علمية ينادى بها، في أسواق الجهل، والمعرفة المحدودة، والمباهاة الفارغة إلا من الإثم، ومما يُحزن أنَّ هذا اللّون، يزيد كلّ يوم ولا ينقص، ويكون ولا ريب من أسباب شيوع الجهل، وتقطُّعِ أواصر المودّة بين المسلمين، وازدياد البأس بينهم·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت