الصفحة 19 من 91

ولا بأس من العَوْدِ إلى الحديث الذي سقناه في مطلع هذه الرسالة، وهو حديث معاذ الذي قال له فيه الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ـ وقد سأله أن يخبر الناس ـ: (إذا يتّكلوا) ، فامتنع لكنّه أخبر به قبل موته (تأثُّمًا) · وقد وقع جماهير علماء الأُمة بخطئهم فهمَ هذا الحديث وظنُّوا أنهم به على سداد الأمر، وجسارة القول بإذاعةِ ما يحكمون في القرون، من غير أن يستكملوا لوازم السّداد، فكان أن عيب على من رأى بالنظر السّليم، والفقه السديد، ما يردُّ ما صيَّرت جماهير الأُمّة أنفسها إليه من شناعة الخطأ، والتَّقوُّل على اللَّه ورسوله، بما لم يكن من سوء نسبةٍ إليهما بأسوأ من هذا·

فيما ذكرَ الغيورون كفاية، لكنه الرجاء في العمل الصّالح، والطمع في الشفاعة وحسبنا ما ذكرَ الغيورون من أهل العلم، وأبقوا من آثار أقلامهم، ونتاج عقولهم، ما لا حاجة لمريد زيادة أن يستزيد، لكن نهمة العقل، والرغبة في أن يكون لمثلي شيءٌ من صالحِ دعوةٍ يحبّها، فقد ألمَّت بعدوة القلب لأْمةُ خير، بأن أصنع شيئًا، أصنعه إلى جنب صنيع السابقين الماضين، لا متفضِّلًا على صنيعهم بشيءٍ، إلا ما يكون من مثل تلكم الرغبة، التي يأْذن الإنسان فيها لنفسه أن يصنع مثل هذا الذي أردت، أسأل اللَّه أن يكون من صالح عملٍ أرجوه عند اللَّه سبحانه، والحرص على العمل الصّالح بصدق النِّيَّة، يرجِّي ـ ولا ريب ـ العبد برحمة ربِّه، وأن يكون به ـ ولو كان فواق ناقة ـ على أرجى ما يكون من النجاة يوم القيامة من عذاب النَّار، والطمع في شفاعته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، أمّا ما يكون من رجاء المفلسين الخائبين، الذين ما كان منهم في الدنيا إلا نسيان اللَّه، والإعراض عن دينه، ونبذ شريعته، فإنّ الذين يرجُّونهم من أئمة الضلال في رحمة اللَّه سبحانه ونجاتهم من النار، هم سيكونون السّابقيهم إلى النَّار· يبشّرهم ربهم بقوله: (( فقد كذَّبتم فسوف يكون لِزامًا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت