وأما الأخرى: فهي أن يُنفى عن اللَّه سبحانه صفات الوعيد بدعوى أنّ اللَّه سبحانه هو الرّحيم الغفور الودود، وما على العبد إلا أن يدعوه بهذه الأسماءِ، ثم لا يكون منه العمل الصّالح الذي يذهب عنه مقتضيات الأسماء التي يكون منها أو بها الوعيد، بدعوى إحسان الظنِّ باللَّه، وهذا يعني أنّ مثل هذا الإحسان بالظنّ، والتصديق القلبي بصواب العمل وصحّته، وأنّ العبد مأمور به فقط، ولو لم يكن من العبد إلا هذا، وأنّ هذا التّصديق يكفيه، ويغنيه عن إظهاره على جوارحه بتحقيق الاستجابة العمليّة، التي هي الشّطر الثّاني من شطري الإيمان (التصديق والعمل) معتقدًا أن إحسان الظنِّ باللَّه ينفعه بدرءِ العذاب عنه· وعليه؛ فإنّ الشّفاعة التي تكون في الآخرة لمن تكون له، لا تكون إلا على مراد اللَّه سبحانه، وبالاعتداد بالعقاب وبالثواب، ومن هو المستحقّ هذا والمستحقّ هذا، وهما الأصل في أمر الشّفاعة، فما ينبغي أن يُغفل هذا الأصل، وإلا كانت الشّفاعة الخاصَّة شائعةً في جميع النَّاس، يصيب منها المؤمن والكافر على حدٍّ سواءٍ، وهذا قولٌ يُرضى حتى عند غلاة المرْجِئَة، الذين لا يريدون صلاحًا لأنفسهم، ولا إصلاحًا لغيرهم· وقد ألمَحْنا في مطلع هذه المقالة إلى زيف هذه العقيدة وبطلانها، وأنّ سوءَ الفهم للحديث الذي سقناه، هو الذي أوقع تلكم الطوائف في مَغَبَّةِ مثل هذا الزَّيف، يحسن أن نترك هذه العقيدة يتخبَّط فيها، من لا يحسن فهم النّصوص، التي ركنوا إليها، واطمأنّوا بهذا الفهم إلى النّجاةِ من عذاب جهنّم، من غير أن يُصيبوا سعيًا حسنًا، تتحقّق لهم به تلك النّجاة· فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون·
فهم أهل العلم للنّصوص