الصفحة 25 من 91

والعلم يكون ويحيا ويشتدّ ويقوى بين اثنين، بين نظرٍ في كتابٍ تُجمع شَذَراتُه وتؤْخذ مسائلُه منه على يد شيخٍ أفضلَ اللَّه به عليه فأناله، وبين تفكُّرٍ واستدامةِ رعاية لما جَمَع من تلك المسائل والشذرات، فَهُدي بما جمع منها بتفكُّره وتدبُّره إلى ما يكون قد مات منها بقياسٍ إلهاميٍّ، يكتنفُ تلك المسائل الخافية، فلا يشقّ به منها عليه شيءٌ، لا من رؤيةٍ كاشفةٍ، ولا من فهمٍ يُفْتَحُ عليه بها، ولربّما كان الصوابُ عنده فيها، أقومَ وأمثلَ، من ذاك الذي يؤخذ عن شيخٍ عرضًا أو مشافهةً أو تلقِّيًا، وهذا فضلُ اللَّه يوتيه من يشاءُ، وما أعلم من فضل كان أو يكون في النّاس بأفضل من فضل العلم، يرفع اللَّه به أُناسًا، بإقبالهم عليه، وأخذهم منه، ويضع به آخرين أعرضوا عنه، وأناخوا على غير خوانه، فأنَّى يستوون، وهل لهم أن يستووا؟! ولقد أبقت الأيام فينا طائفةً، من أولئك الذين جابوا البيداءَ بحثًا عن شجرة من أشجار العلم المثمرة، فأضلُّوها، وكيف لا؟ إذ كيف يمكن أن تَنْبتَ شجرةٌ يكون لها ثمرٌ في بيداءَ لا ماءَ في جوفها، ولا مطر يكون من فوقها من سحابها؟ فكانوا خلفًا غير صالح لسلف صالح، وزاد من سوئهم أنهم أرادوا بتحريفهم الكلم عن مواضعه ـ صَنيع أخباث اليهود ـ أن يضطلعوا بأقوالهم في غير تقوى، كلَّ تثريبٍ وذمٍّ في دواخل حروفها وخوارجها، كي تنطلي انحرافات قلوبهم على النَّاس ـ وهي لا تروم بمثل تلك الحال، شيئًا مما يموّهون به إلا على السُّذَّج، ضعفاء العقول ـ ثم يعيثون بين ظهراني الأمّة بكلِّ فسادٍ، لا يرجون به صلاحًا ولا فلاحًا، بل إمعانًا في السوءِ وفداحةِ الشرِّ، وسوءِ المنقلبِ، عياذًا باللَّه تعالى·

تفنيد شُبُهات أهل الإرجاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت