الصفحة 26 من 91

وقد تعلَّقَ أهلُ الإرجاء بشبهاتٍ ـ أوردوها على مَن نصعَ الحقّ في قلبه، وأضاء أرجاء صدره، وعلم كيف الورودُ إليه ـ وأتوا بها على غير هدى ولا بصيرة، وكان منها قطعة من حديثٍ لأبي سعيد الخدري، وهي قوله عليه الصلاة والسلام: (فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قطُّ) ، وهي قطعة من حديث الشفاعة المشهور، عَضَدَ بها أهلُ الإرجاءِ ـ لا أكثَرَ اللَّهُ منهم، أو يهديهم ـ شُبَهَهُم الفاخِتَةَ، فقالوا: نعم؛ إنّها قطعة صغيرة، لكنها تساندُ جبلًا، وتطفئُ من النّار رهجًا، وكيف؟

أمّا كيف؛

فإنّهم قد أُخرجوا من النّار بكلمة الشهادة فقط، ولم يعملوا بشيءٍ من مقتضاها، ومقتضاها ستٌّ وسبعون شعبة (1) فأدركتهم رحمة اللَّه، وأنقذهم بها، أي بنطقهم كلمة الشهادة، وغرَّهم أو قل: خَدَعَهم جَهْلُهم الواسعُ بركنٍ من أركان الإسلام والإيمان، ولم يحيطوا علمًا بفقه هذا الركن، الذي يتأسَّس عليه الإسلام كلُّه، عجيبٌ ـ واللَّه ـ أمر هؤلاء، ألا وإنَّ سعادة العبد في داريه، لا تكون إلا بالفقه الصحيح لهذا الركن العظيم، فإنْ بقي شيءٌ من اللّبس أو شيءٌ من النقص لهذا الركن، فإنّه حينئذٍ يبقى عرضةً للاضطراب والقلق، لذا؛ فإنَّ على العبد أن لا يسيءَ لنفسه، ويَبْهَتَ حقَّ هذه الكلمة، ويرجُمَها من مكانٍ بعيدٍ بجهله النَّائخِ على قلبه من غير شفقةٍ منه ولا هدىً ولا كتابٍ منير·

فهمُ السَّلف لهذا النّصّ

وما أحسنَ تأويلًا لهذه الكلمة أورده الإمام الجليل أبو بكر بن خزيمة في كتاب

التوحيد، وهي: (لم يعملوا خيرًا قط) ، قال رحمه اللَّه: (هذه اللفظة، من الجنس الذي يقول فيه العرب: ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل:(لم يعملوا خيرًا قط) على التمام والكمال، لا على ما أوجَبَ عليه وأمرَ به)·

(1) إنّي لأخشى أن يأتيَ يومٌ على الأُمة يقول قائلٌ فيها: إنّ النّاس يخرجون من النّار من غير قول الشّهادة !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت