وليس من ريبٍ في أنّ هذا الفقه الرائق الذي أظهره للنّاس أبو بكر بن خُزَيمة رحمه اللَّه، فقهٌ يدعو إلى الإعجاب والثناءِ، فيتوارى منه خجلًا ـ إن بقي خجلٌ عند أهل الإرجاءِ الجدُد ـ ويقولون في أنفسهم: هلاَّ كان منّا أدبٌ، يقفنا على الحقّ الذي انتدَبَنا اللَّه إليه، وأمرنا أن نضرب به وجه الباطل، وأن ننصره، وننصر به أنفسنا، فالعود عن الخطأ خيرٌ من التمادي فيه، والاعتراف بالصواب، أمثلُ من لعن الباطل، وكأني بأبي بكر بن خزيمة رحمه اللَّه ـ وهو يسمع الجهل الذي تغثى منه نفوس أصفياءِ أهل العلم شيوخًا وطلابًا ـ يقول: ما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا، ويْكأنهم لا يجدون أسهل عندهم من أن يزعموا أنّ اللَّه ـ تعالى عمّا يقولون علوًّا كبيرًا ـ يريد ـ وحاشاه ـ أن يجمع في حكمه على كثير من الأُمور والأحوال بين النقيضين، وإلاّ؛ فما معنى أن يُخرج اللَّه من النّار مَن لم يفعل خيرًا قطّ، فيسوِّي بذلك بينهم وبين مَن عملوا صالحًا، واستحقّوا الخروج من النّار بعملهم من بعد أن ذاقوا حظَّهم من مسِّ العذاب·
التفنيد
لذا؛ فلا بدَّ أن يكون توضيحٌ لمعنى النفي في قوله: (مَن لم يعملْ خيرًا قطّ) فيبين لنا المراد منه أولًا، ثم لينتفي التناقض الذي قد ينشأ من هذه القطعة من الحديث، ولا بدَّ إذ لم يؤت عليه بفهمٍ صالح· اقتباسٌ مفيد .