أين تقع كلمةُ الشهادة من عقيدة أولئك الذين أمكنوا لعقيدة الإرجاء من أنفسهم ـ وبخاصّةٍ المجدّدين منهم الذين هم على مذهب أصحاب السّبت ـ وكأنّي بهم يقولون حسيسًا، أو تَخَيُّلًا، أو صدىً لأزِّ وحيِ الشّيطان، هل تحسبون أننا صددناكم عن الهدى؟ ولقد مغروا واللَّهِ بالضّلال، وغشَّوا قلوبهم بالباطل، وأمَسُّوا نعمةَ اللَّه عليهم جحودًا ونُكرًا·
وكأنِّي بهم وهم يرفعون لواءَ الإرجاءِ على فسحةٍ من العمر أو ضيق، لا يرون بقولهم هذا الباطل إلا أنَّ من يخالف عنهم هو الحانف عن الحقّ والصواب، وأنّهم هم الهادون المهتدون·
ومَن يمعن أو يُنعم النّظر في مذهبهم ذاك، فإنّه يكاد يجزم أنّ قلوبهم قد نفرَتْ نفارًا بعيدًا من كلمة التوحيد، وأعْنَتَتْهم من بَهْظِها عنَتًا شديدًا، فلاذوا بها يحتمون بصورتها الحرفية، ويتخذون من هذه الصورة، سترًا يردُّون به عن وجوههم سوءَ العذاب، عياذًا باللَّه· أما معناها، ومقتضاها العمليّ السَّويُّ، فليس يَعْنيهم في شيءٍ، فقد ضلَّ في تلافيف عقولهم الحُطَمة، وإن بقي لهم منه شيءٌ يسير، فليس بالذي يكفي في الأمر على سواءٍ، لأنّ معناها هذا، لا يقوم على ساقه إلا بتمامه، وتماسك أجزائه، فمن أراده على غير هذا الوجه فهو يمشي إلى سرابٍ، وفي سرابٍ، ومن فوق سراب، يكوِّر هذا الحرف على غير معناه، وهذا المعنى على غير الحرف الذي يُصَوِّرُه على غير هيأَته، فلا يكون معنى يُدَلُّ عليه بحروف هذه الكلمة الجميلة، ولا يكون لحروفها معنى يُدَلُّ عليه بها·