ولكأنَّهم رأَوا في حروف هذه الكلمة، التي تُقْرأُ بها ليعرف النّاس معناها بها ـ وقد أفعموها بأمشاجِ جهلهم، وإفكهم، واتِّباعهم غيرَ سبيل المؤمنين، بأن أخْلَوها من مقتضاها الحقّ، ومَحَوا من بين أجزائها التي بُنِيَت بها المعنى الصحيح الكامل الذي تهدي إليه لأول وهلة ـ أنّ هذه الحروف كافيةٌ وحدها في أن تكون قائدتهم إلى الجنّة، فاكتفوا بها وحدها، ودفعوا بها، وهْمًا وتخيُّلًا، من أمامهم إلى قبورهم ليجدوها يوم القيامة من بين أيديهم من غير عملٍ عملوه، محسنين الظَّنَّ باللَّه، على فقرٍ من علمٍ بها، ثمّ توكؤٍ على هذه الكلمة، وجاعلوها هي الشافع والمشفَّع عند ربّهم، ويقولون في أنفسهم: لقد كُفينا مؤنتها في الدنيا، وأرحناها من حمل العمل بمقتضاها، وخرجنا متخفِّفين من تبعتها، وطيَّبوا أنفسهم ـ عياذًا باللَّه ـ من العمل الطيِّب ـ وهو مقتضاها ـ وقالوا: النّار لا تحرق لا إله إلا اللَّه، وهي قادرة على أن تدرأَ العذاب الذي نخشى عن نفسها، إذًا؛ فنحن نتقرّب إلى اللَّه، بأن تكون لنا فداءً، واللَّه رافعٌ عنّا العذاب بإحسانِ الظنِّ بكلمة (لا إله إلا اللَّه) · فإنْ كان من مسٍّ من النار لأبشارنا، فلا ملامة علينا من شيءٍ كان منّا، إنّما الملامة كلُّها واقعةٌ على (لا إله إلا اللَّه) ؛ لأنّها هي المكلَّفةُ بالخطابات الإلهيّة، والأحكام الشرعية، أي أنّ حروفها مكلفةٌ بحفظ معانيها الدّالة عليها، ونحن البشرَ، بعضٌ من هذه الخطابات، فحقٌّ عليها إذًا أن تعرف عن ربّها ما حُمِّلت من خطاب ربّها، ونحن شيءٌ من هذا الخطاب، وماذا عليها لو أنّها حملت أوزار الأُمة، ما دام أنّها هي مناط الخطاب، وهي الحقيقة، بأن يتَّقى بها ويدَّرأ، ثم نحن في حلٍّ من بعد، بأن نصيب ذنوبًا ثم نقلع عنها تائبين أم غير تائبين، ما دام أنّ كلمة (لا إله إلا اللَّه) هي مناط التكليف، ولا علينا أتاب اللَّه علينا أم لم يتُب، فقد كفانا برحمته، وصرفَ عنّا