فهرس الكتاب
لقد أرادت هذه الفرقة الجديدة أن توافي المحاربين اللَّه ورسوله على صَغارٍ منها، واستكبارٍ من أعدائها، وعصفِ الأطماعِ الذاهبةِ بالدِّين والغيرة، ومشاقَّةٍ لأولياء الحقِّ، ومظاهرةٍ لأولياء الباطل، وقعودٍ عن الفضائل، ونبذٍ لمكارم الأخلاق، ومُلوصٍ من تبعاتِ دعوةِ الحقِّ، وجعجعة الأهواء المحتقنةِ بالاستعلاء، والجشع، والجهل، وحبِّ الذات، والمكر السَّيِّئ، ثم لا تبالي من بعد هذا ومن قبله، بما تُرْخي من ذيول إحداثات بدعية، تُصَيِّرها إلى قطعان من العجماوات المختلفة الأشكال والألوان، لها فقط من فِطرتها ما يَدُلُّها إلى معايشها، وشؤون حياتها الجبلِّيَّة·
(ثانيًا) : هل الذين لا يعملون خيرًا قط يخرجون من النّار؟!
جاءَ في وصفِ طائفةٍ يخرجون من النار، ويُدخلهم اللَّه الجنّة: (فيُخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قطّ) ، وفي لفظٍ آخر: (بغير عملٍ عملوه، ولا خير قدَّموه) ، وهذا لفظٌ مشكلٌ جدًّا، إذ كيف تكون شفاعةٌ لطائفةٍ من أهل النّار، وهم لم يصيبوا من عملٍ يصلح لشفاعتهم· وهل تكون شفاعةٌ لمن قُبضَتْ يده عن الخير كلّه؟ إنّما أُتي هؤلاء من سوء فهمٍ أفضى بهم إلى هذا الحكم الذي ظلموا به أنفسهم، وأناخوا به برحل الجهل والجهالة على أبواب الضّلال والخطأ، يلتمسون بالنّظر من ثقوبها، أن ينالوا شيئًا من الصّواب الجافيهم، وأنَّى ينالون منه وهو جافيهم (1) ، إذًا: فحسنٌ لهم ومنهم أن يثوبوا إلى رشدهم، ويقلعوا بتوبةٍ راشدةٍ حاشدةٍ عن السّلوك العلميّ الضالّ، الذي كان فيهم، على غمرةِ غفلةٍ، أنالتهم عند السواد الأعظم في الأُمة الرّضا، والرُّكونَ إليهم، فيما ينشئُون من فتاوى محبَّرةٍ مهمَّرةٍ، لا تنزع بهم إلا إلى حَبَوات المثقلةِ بطونُهم بشَوْبِ الهوى والطمع والغرور والتصعير الخاوي·
(1) ومن هذا الفهم السَّيِّئ وَضْعُهم حديثَ أنسٍ الآنفَ الذِّكر في غير موضعه، وأرجو أن أكونَ وُفِّقتُ إلى فَهْمِه على الوجه الصّحيح .