فهرس الكتاب
من هنا لا يحسن بنا أن نلقي باللائمة على أعداء الأُمة وقد أصابت من نفسها ما أصابت من هذه الفتن الباهظة، التي أناختها أمام أعدائِها في جُثُوٍّ دائمٍ، زاد من ذلِّها وهوانها على أنفسها، وأوثقها إلى ضرّاءَ وبأساء، وهي تملك من الثّروات والقدرات المادية الحِسِّيَّة، والمعنوية الخفيَّة، ما لا قِبَل لأُمَّةٍ بل لأُمم شتّى أن تلي الأقلَّ لا القليل منه، وأسلمت قياد عقلها وجسدها لهؤلاء الأعداءِ الألدّاء، ونسيت في هذا الحاضر المهين الأليم، أنّها بقيّة أمة قال اللَّه فيها: (( كنتم خير أُمّةٍ أُخرجَتْ للنّاس ) )، وأنّ في إهابها من أسباب الهداية والعزّة، ما يكفي لإنقاذ أمم الأرض كافّة، واستخلاصها من براثن الشّرك والعبودية لأنماط الوثنيّات المادية العتيقة والجديدة، وإلباسها رداءَ التوحيد الخالص النقيِّ الأبيض، كالذي صنعته أوّل مرّة، واستاقت معه ما قدِّر لها أن تحوزه من فضلٍ حسن، أنالها اللَّه إيّاه على يَدِ نبيِّها العظيم صلوات اللَّه عليه وسلامه، فما رعَتْهُ حقَّ رعايته، ولعلَّ أذكياء العلماء والفلاسفة ـ الذين يتربَّصون بأمّتنا اليوم، ويبغونَها ضلالًا وإفكًا في الفكر والدِّين، وإقعاءً وفقرًا في المال والاقتصاد، وضعفًا وعجزًا في شؤون الحياة والعيش، وفُرقةً واختلافًا في الكلمة والرأي ـ ينقلبون يومًا من الدّهر على أنفسهم، ويتحوَّلون من مشاقّة الدين والاعتقاد، التي هم عليها وكانوا من قبل، ليكونوا الهداة ـ بما أُوتوا من قدرات ومواهب خاصَّة، أصابوها بحذق النّظر والتّفرُّس والتجربة، وإحسانهم الولوج من أبواب الدنيا إلى باحها وساحها، وصدق القياسات بالنظائر والمتشابهات ـ لا لشعوبهم، بل لشعوب الأرض قاطبة، وليس ذلك على اللَّه ببعيد·
خير أُمَّةٍ أُخرجَت للنَّاس