فهرس الكتاب
لكنَّ شيئًا لا يغيب عن البال، وما ينبغي، يجعل تصديق هذا الأمر وتصوّره حتى في غيابات النسيان، غير موصولٍ بالرغبة فيه أو إليه، لأنَّ وقوعه كان على حرف ثمَّ انقضى، وأضحى حتّى عند أهله الأوَّلين غير مطلوبٍ ولا مرغوبٍ فيه، فأولى أن يكون هذا عند غير أهله، إذ أنّ هذه الأُمة قد أودعها اللَّه سبحانه من الخصائص الذاتيّة، ما منعها سائر الأُمم، لحكمة أرادها أن تكون لها وحدها، دون سواها، فتكون لها الخيرية، لا ينازعها فيها منازع، وقد كان كما أراد اللَّه سبحانه (( كنتم خير أمّةٍ أُخرجتْ للنّاس ) )· عُجْمةٌ أفسدت اللِّسان والعقل والفكر .
ومن تلك الخصائص:
صراحة العروبة في العقل وفي اللسان، وهي عروبة كلام اللَّه سبحانه، وما ينبغي أن ننسى أنّ ثلم هذه العروبة على لسان أهلها وعقلها، كان من أقوى الأسباب وأشدّها نُكرًا، في تسرُّب العجمة إلى الفكر العربي واللسان العربي· وما كان ذلك ليكون إلا ابتغاءَ الفتنة، وابتغاءَ إفساد الفكر العربي باطنًا وظاهرًا، مبنىً ومعنىً، وقد استطاعت هذه العُجمة أن تُحدث على مرِّ العقود من أنماط التحمُّل والأداءِ والإشاعة، ما لا قِبَل للأُمة أن تملك ولو بعضًا منه، لتصدَّ هذه العجمة، أو لتخفّف من شِرَّة غلوائها الحَرون الحقود، ولست أرتابُ في أن الرُّؤْية التي تملكها هذه العُجْمة، لديها شيءٌ من القدرة على استظهار ما تُبطنه الأُمة من ماضٍ، وفي حاضرٍ، وعلى آماد المستقبل، لكنّها ليست كافيةً في ثنيِ أنماط التَّحمُّلِ والأداءِ والإشاعة عن المقاصد التي ثبَّتَتها من أمامها، وجعلتها جزءًا من قدراتها التي أعدَّتها لإعاقَةِ الفكرِ العربي واللسان العربيِّ، وهي ـ وبلا شكٍّ ـ قد أصابت نجحًا كبيرًا مما أرادت، وخطّطت له زمانًا، لكنّها لم تُصب ـ وإن أصابت ما أصابت ـ ما وعدَتْ به نفسها، من بطشٍ، وسفكٍ، وإخلاءٍ، وإبادةٍ·