فهرس الكتاب
وإنّي لأرى أنّ من حقّ الأُمة على نفسها، أن تتراءى الأُمور على يسرٍ وسهولة، وتستخرج من نفسها ما أوبقها من باطل الاعتقاد والسلوك بلا مواطأةٍ على شيءٍ منها يُقال فيه: هذا يمكن تجاوزه، ولا يضرُّ تركه، وهذا؛ الاشتغال فيه يحدث زيادةً في الفُرقة، ومن مثل هذه الأقاويل والأغاليط التي ما رأيناها زحزحت باطلًا عن موضعه، أو أذهبت خطأً عن مكانه، أو أصلحَتْ منكرًا طال في النّاس مكثه، وإلا: فلماذا كان تحذير الوحي من كثيرٍ مما ظهر سوءُه، وذاع، وأصابت الأُمة من ضرّائه العاسرة الكثير الكثير، واشتدّت المعاناة منه، ولم ينفع معه صبرٌ يُكال، ولا تربُّصٌ يُجال به، أو يُعال، ومن هنا نأْتي بثالثة المسائل التي نريد الإجابة عنها وهي:
المسألة الثالثة: ما مصير الفرق (الثلاث والسبعون) التي قال فيها الرسول عليه السلام: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلّها في النار إلا واحدة) ؟
قالوا: إنّ هذا الإطلاق ليس مرادًا حقيقةً، والنّجاة لهم كائنةٌ لا محالة، فهم كالفرقة الناجية، يدخل النار منهم من يدخلها، ثمّ يخرج من بعد أن يأخذ حظَّه منها·
وهذا القول منهم، يدفع في صدر الحكم الذي نطقَ به كلام رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بلا مراءٍ، وينقضه بل ويبطله، أفليس هذا من المشاقّة للَّه ولرسوله، والخروج عن سلامة فطرة اللغة التي جعلها اللَّه سبحانه سبيلًا لفهم شريعته، وتقرير أحكامها، وجرى عليها فقه الأخيار من علماءِ هذه الأُمة الذين مضوا، وكانوا على استقامة في دينهم، وحقٌّ علينا أن نلتمس فَهم هذه المسألة الثالثة في ظلِّ فهمِ أولئك الأخيار من العلماء، وهذا فضل من اللَّه يمنّ به على مَن يشاءُ من عباده، والحمد للَّه· تشويه العقيدة، وعُجمة اللسان: أظهرت هذه الفرَق .