فهرس الكتاب
فما أحسنه من قول يفرح به العُصاة، ويزهد به أهلُ الطاعة في الطاعة، وحينئذٍ، فإنّ أهل الطاعة يجدون مندوحةً سائغةً في أنفسهم بالتحوّل عن الطاعة إلى المعصية، ولا يجدون في أنفسهم حرجًا من ذلك، فقد استبرأت الطاعة من أهلها، واستبرأ أهلها منها، وتساوت هذه بتلك، وتلك بهذه، وغدَتْ كلٌّ منهما تُنافس الأخرى، والسابقة منهما تأتي على قليل الأُخرى، ثمّ لا يكون بينهما إلا شيءٌ من النَّجوى الخافتة ـ إن كان ـ على توادٍّ ومصالحةٍ، فلا النّار من بعد ذلك نارٌ، ولا الجنَّةُ من بعدها جنَّة، ويخفى على النّاس الأغيارِ الأحقَّاء بالفقه والعدل، وسدادِ النَّظَر، معنى قوله تعالى: (( والعاقبة للمتقين ) ) (( ولا عدوان إلا على الظالمين ) )· وتغلقُ أبواب جهنم أمام الفرَق الثنتين والسبعين، لتتحول مسيرتهم إلى الجنّة، ويأتونها وقد فتِّحت أبوابها، ولربّما كان منهم حِجاجٌ لربّهم سبحانه، أن قدَّم عليهم الفرقة التي أخبر عليه الصلاة والسلام أنّها النّاجية· ونوردُ هنا قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنّة، وسبعون في النّار، وافترقت النّصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النّار، وواحدة في الجنّة، والذي نفسُ محمدٍ بيده، لتفترقنَّ على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنّة واثنتان وسبعون في النّار) ، وفي رواية: (تفرَّقت) بدلًا من (لتفترقنّ) ؛ إخبارًا عن وقوع الأمر في الماضي، كما هو الحال مع اليهود والنّصارى·
إنّ هؤلاء الذين جابوا البوادي، وتوترت قاماتهم فوق السّحاب، وحسروا عن سوقهم فوق الرمضاء، وأسرعت بهم ركائبهم على مهاد وشعاب، ثم خربت بهم على كأْداءَ صعبة، أذهبوا على سنامها جهدهم، ثم لم يصيبوا إلا مجدَّعات الآمال، وغدوا من بعدُ على ظنونٍ كالحةٍ تصدُّ عنها العيون، وتنفر منها الآناف، ورأوا في سراب الباطل ما يغنيهم عن قيعة الربيع الفارهة·