إنّ كثيرًا من الإحداثات التي تساقطت بين ظهراني الأمة، إنّما كانت من زيوف الفهم التي أحاطت بنصوص الوحي الأمين، سواءٌ أكانت من الكتاب أم من السنّة، فكانت متوارَثةً على القرون، وكان من شرّها، وأخطرها على الأُمة، وأشدّها فتكًا، ما حام ـ ولا زال ـ حول عقيدتها· وكلّما أطلَّ رأس قرن أتى بجديد مثلها، تجتمع إلى التي قبلها، تزيد بها من ثقل القرن الذي يأتي من بعدها، فكان مثل هذا التوارث من أعظم الأسباب التي أخلدت بها القرون إلى قبول هذه الإحداثات، ثم نشوءِ القناعة، أنّها شيءٌ من الدِّين الحقِّ الذي ارتضته الأمّة بسوادها الأعظم·
مثالٌ للفهم الزائف
وأسوق مثلًا لهذا، لم يقف الأمر به عند الفهم الغريب الخطأ، الذي صارت الأُمة إليه، بل جاوزه إلى نشوءِ فرقةٍ من الفرق الأصول التي ملأت فجاج الأرض ضلالًا وفتنةً، وعرمت بهذه وتلك عرامة أبي جهل في صلافته وكبره· وهي فرقة المرجئة، استاقت إلى ضلالها وفتنتها جماهير الأُمّة، في غير شفقةٍ ولا رحمةٍ منها على آخرتها ولا على دينها، وأمسى لهذه الفرقة شيوعٌ مطَّردٌ، وانتشار شاسع في كل مكان من أرض المسلمين، وفي كلّ زمانٍ تحركت من فوقها أقدام مسلمين، وكان صراعٌ عقليٌّ مخوفٌ شديدٌ، بين هذه الفرقة، وبين الذين انتدبهم اللَّه بعلمٍ، أكرم اللَّه به الأُمَّة على يدٍ طائفةٍ، ظاهرها اللَّه بالحقّ، وظاهَرَ الحقَّ بها، ولن يختفي أو يزول، وإلى أن تقوم السَّاعة· هذا المثل، هو فهمٌ تحدَّر أو تنزَّل به إبليس على قلوب هذه الطائفة، أو أجاءَهم إياه وفرحوا به من فهم بئيسٍ حائلٍ بليدٍ لصريح كلام العرب لمثل قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فيما روى الإمام البخاريُّ رحمه اللَّه من حديث معاذ بن جبل، وأسوقه بتمامه سندًا ومتنًا، قال رحمه اللَّه: