الصفحة 61 من 91

1 ـ مِن بَدَهِ الأمر في لُغَتنا، أنّ الحرف العربي إذا نطق به اللّسان ابتدره أكثرُ من معنى، غير أنّ واحدًا منها يقع في الصدارة، ليكون هو الحائز لفظ الحرف المنطوق فور النّطق به، وهو أظهر ما يكون من سائر المعاني التي تظهر أمامه، ذلكم هو الأول الذي لا ينازَع في موضعه المعهود في نظام لغة العرب، ولا ينازَع إلا إن كان المتكلّم يريد أن يؤخِّره ليَحِلَّ محلَّه معنى غيره، لا يعرفه السّامع منه إلا بعلامةٍ من خارجه، تهدي إلى المعنى الذي يريده المتكلّم نفسه، تصرفه إليه تلك العلامة التي جعلها المتكلم دالةً عليه، وضمَّنها كلامه، فإن لم تكن علامة صارفة، فالحرف على لسان الناطق لا يدلّ إلا على المعنى الذي وُضع له في أصل وَضعه· القرآن والسُُنَّة أثريا اللُّغة العربية، ولم يغيّرا في معانيها .

2 ـ وليس يخفى على ذي لبٍّ على أنّ لغة العرب لم تتحوّل عن معانيها ـ سواءٌ في مفرداتها المتباعدة، أم في تراكيبها المتآلفة ـ بعد نزول القرآن والسُّنة، بل إنّهما زادا من ثروة اللُّغة في مفرداتها، وتراكيبها، وما أحدثا من مصطلحات كثيرة، ومعانٍ جديدة· إذًا فليس لنا أن نحوِّل هذه الكلمة النبويّة، من فُلكِ هذه القاعدة إلى فلك قاعدةٍ أخرى، بدعوى أنّ خلافًا كائنٌ في هذه المسألة، يقضي التحوّل خشيةً من زيادة الخلاف بين الأُمّة، وإهاجة العواطف، وتأجيج نار الخصومات، ولربّما كان هذا التحوّل يقضي علينا إحداثًا لقاعدة جديدة جوفاءَ، تزيد من إفساد المعنى، وبعده عن سواء الصّواب، وليس يحسن الأمر على وجهه إلا باستسهاله بالقاعدة المتبادرة المعروفة·

الدّاخلون النّار على ضربين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت