الصفحة 63 من 91

وأمّا الطارئون بذنوبهم، فلا يحكم عليهم بمثل هذا الحكم، لأنَّ الصاحب، هو الذي يملك الشيءَ، أو يديم وصلهُ، أو المكث الطويل فيه، الذي يشبه أن يكون صاحبًا مالكًا له، هذا ما يعرفه أهل العربية من عربيّتهم، التي خاطبهم اللَّه بكتابهم بها، فقوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: (كلُّها في النّار) أي النار المعهودة التي لا يقبل الذّهن التحوُّل عنها بلا صارفٍ من الصوارف، التي ترتضيها اللّغة لمفرداتها وتراكيبها، وإلا كانت لغة القرآن في حاجةٍ إلى غير القواعد التي عرفها العرب للغتهم في غير تكلُّفٍ للموجود المعروف المتبادر بالفطرة والسليقة منها، ولا تلمُّسٍ لغيره مما يتوهَّم أنَّه يصلح قاعدةً ولا تكون، فالنّار هنا هي النّار المعروفة، المعهودة التي أُعدَّت لأهلها الأحِقّاءِ بها ولا كرامة، فلماذا التَّورُّع أن لا يكون للنّار أهلها، وهي لا تريد لنفسها إلا أهلها، ما بلغوا من كثرة العدد ولو قالت: هل من مزيد، وأهلها هم أهلها·

الفِرقة الناجية واحدة لا ثاني لها

4 ـ ثمّ إنّه لو كان من هؤلاء الفرَق مَن يُستثنى مِن النّار، لأنقص عليه الصلاة والسلام منها، فبدلًا من أن يكون عددها اثنتين وسبعين فرقة، لأنقص منها العدد الذي يستحقّ الاثنتان، فزادت الفرقة الناجية وصارت اثنتين أو ثلاثًا أو أكثر، ولكان قال عليه الصلاة والسلام: (كلّها في النّار إلا ثلاثًا منها) ، لكنّه إذ لم يقل ذلك، فإنّه قد علمَ أنّ النجاة لا تكون إلا لواحدة، وأنّها بما أنعم اللَّه عليها، هي التي وصفها بقوله: (هي مَن كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ، وهذا الوصف في مجمله يغني عن كلِّ وصفٍ سواه·

الاستثناء حصرٌ بالعدد هنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت