فهرس الكتاب
7 ـ ولو كان استثناءٌ ينتهي فيه نفرٌ من الجنَّة إلى النّار، لكان يمكن أن يكون لنفرٍ قليلين جدًّا، استأثر اللَّه نفسَه بهم استئثار حَصرٍ على وجهٍ يعزُّ إلا على اللَّه وحده دون سواه، حتى وإن كان لهم شفاعة مخصوصة، كصاحب البطاقة، أو الذي طلبَ من أهله أن يحرقوه بعد موته خشيةً من أن يدركه اللَّه بعذابه، فمثل هذين لو كان من قضاءٍ حتم يكون فيهما على وجه النّظر العقليّ المجرَّد، بالقياس المحض، لكانت النّار أولى بهما، لكن للَّه شأنٌ يكون لإرادته فيه على غير قياس عقليّ يخضع لمثل ما يكون عليه شأْن البشر، فقد اختصّ اللَّه سبحانه نفسه ببعض الأمر الذي لا يجوز، ولا ينبغي أن يكون فيه للبشر إلا التسليم المحض، الذي لو كان لهم فيه شأن، لما كان منهم إلا زيادة في التَّحيُّرِ، ثم الانتهاء إلى زيادة وزيادة فيه، لأنّ مثل هاتين الصورتين منسلختان بالكلية عن الإدراكات البشرية، وقدراتهم العقلية والحسِّية، ولو جعل اللَّه لهم أن يختاروا، لأدخلهم اللَّه سبحانه في إرادته ـ وحاشاه ـ، لذا فما لهم إلا التّسليم، وأن يقولوا في أنفسهم: حسبنا أنّ اللَّه لم يجعل لنا إلا التّسليم والرّضا بما علمنا منه سبحانه، واختص به نفسه: (( ما كان لهم الخيرة من أمرهم ) )، وإلا كان الخروج والإباءُ عما قضى وأراد، واختصّ نفسه به سبحانه (( ألا له الخلقُ والأمر تباركَ اللَّهُ ربُّ العالمين ) )، وليس للعالمين إلا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا وسلَّمنا، وفوَّضنا الأمرَ كلَّه من قبلُ ومن بعدُ إليه· وحسب المؤمن من الحقّ هذا، واللَّه لا يقضي بين عباده إلا بالحق· النسبة للمصطفى شرفٌ لا يناله إلا الفرقة الناجية .