فهرس الكتاب
8 ـ ويبقى سُؤال، لا بُدَّ وأن يُجاب عليه جوابًا سويًّا، وهو: كيف يصحّ أن ينسب محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لنفسه أُناسًا ليكونوا من أصحاب النّار: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النّار إلا واحدة) ، وهم السواد الأعظم، أليس هذا عجيبًا غريبًا·
فأقول: أعجب من مثل هذا السّوال، وأشدّ غرابة: أن يكون مثل هذا السؤال، إذ أنّ هذه النّسبة قد قُطعت يقينًا، وكان حريًّا بهؤلاء أن يُبقوا على هذه النّسبة، ليُبعثوا يوم القيامة بها، لكنّهم ـ وقد أصابوا من سوءِ المعتقد ما أودى بهذه النسبة الشريفة، فما يكون لهم أن يدَّعوا بقاءَها، بعد أن عمَدوا إلى قطعها بسوءِ صنيعٍ منهم، ولنا في كتاب اللَّه ما يؤكِّد ذلك، (( وقال نوحٌ ربِّ إنّ ابني من أهلي ) )، (( قال يا نوح إنّه ليس من أهلك إنّه عملٌ غير صالح ) )· فأيَّة نسبة هذه التي تبقى بعد أن صارت سرابًا أو يبابًا، بصنيع السوء من هذه الفرَق مجتمعة، وهي الكثرة الكاثرة في التفرُّق والشّتات، وإن كانت الفرقة الناجية التي ظلَّت نسبتها قائمةً، ووشيجتها موصولةً برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى يوم القيامة، يستحقّ بها العصاة منها شفاعته عند ربّه سبحانه؛ هي الأكثر عددًا؟! كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: (فإنّي مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة) ؟!