الصفحة 69 من 91

11 ـ ولنا من كتاب اللَّه في هذا نظير، نقرأُ فيما نقرأ من القرآن قوله سبحانه من سورة المائدة: (( لتجدنَّ أشدَّ النّاس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودَّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنَّهم لا يستكبرون ) )· ففي هذه الآية قسَّم اللَّه الناس قسمين اثنين: أعداء مستكبرين، وأولياء متواضعين، فالأولون هم: اليهود والمشركون، والآخرون: هم النصارى، والسياق القرآني لا يخرج اليهود والمشركين عن مسارهم الكفري الذي هم عليه، فلا إشكال، وأما النّصارى فليس من شكٍّ أنهم لم يبقوا على نصرانيتهم التي كانوا عليها، فقد أثنى اللَّه عليهم باسم النصرانية (( ولتجدنَّ أقربهم مودّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ) )، وذكر من صفاتهم وأخلاقهم، ما يدعو إلى الثناء عليهم، وقد تحوّلوا إلى الإيمان، وأبقى لهم الاسم الذي كانوا عليه من قبل إيمانهم، ولو جرينا على ما ذهب إليه بعضهم من جعل بقاء الاسم الأول دليلًا على المراد منه أوّلًا، لكان اسم النصارى في هذه الآية، لا يصلح دليلًا على مودَّتهم أصحابَ الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، لأنَّ اسمهم (النصارى) لا يصلح إلا دليلًا على الوصف الذي كانوا عليه أولًا من قَبْل إسلامهم، وليس الأمر كذلك، فإنّ لغة العرب قادرة على استيعاب المسمَّيات بأسمائها جميعًا، من قبل أن تتخذ لها ثوبًا جديدًا، ومن بعد، فهي لا تضيق أن تُبقي على الأسماء على ما كانت عليه، لأنّ حقائق الأشياء لا تتحوّل عمّا كانت عليه، ولا على ما صارت إليه، وبخاصَّةٍ وأنّ الأجناس هي الأجناس، والأنواع التي تتفرّع عنها هي الأنواع، وقد ترسَّخت وثبتت في مسيرة الزمن، وعرفت على شهادة التاريخ، فهل يكون لأُمة أن تُعرف على غير ما عُرفت والمعرِّفها هو نبيُّها المبعوث فيها ومنها رحمة وهدى؟ إذًا؛ فقوله عليه الصلاة والسلام: (وستفترق أمتي) أي: الأُمة التي بُعث فيها، وهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت