الصفحة 73 من 91

وللغة الأُمة قداسة أشبه ما تكون بقداسة الدِّين الذي تتقرَّب إلى اللَّه بأحكامه وشرائعه، بل هي قداسة الدين نفسها، ذلكم أنّها هي اللغة التي أنزل اللَّه بها هذا الدين القيِّم، إذًا؛ فإنه حريٌّ بأُمتنا أن تقرن في القدسية بين الدِّين بأحكامه، وشرائعه، وعقائده، وأخلاقه، وبين اللغة التي خاطبها اللَّه بها، حتى لا يغيب عنها من أولئك شيءٌ أو تخفى منها عنّا خافية، فيكون بيننا وبين لغة ديننا من مثل هذه القدسية تعاضدٌ، نقف منه على فقهها، ومعرفة ما يجب أن يستقيم عليه أمرُ حياتنا إلى أن نلقاه، ومن هذا الفقه أو المعرفة، أن تجتمع فهوم الأُمة على قدرٍ مشتركٍ من الإدراكات المعرفية العلمية التي تؤهِّلها لتكون أُمَّةً واحدة، وخيرَ أُمة، ولكي تكون لها في دينها ومن دينها عصمة تحميها من التنازع والاختلاف· وقد أراد اللَّه ـ لهذه الأُمة بلغتها ـ أن تكون على مثل هذه العصمة، ويسَّر لها الأسباب التي تتهيأُ بها وحدتها، وتنتهي إليها على غير إلجاءٍ أو إكراهٍ، إلا ما يكون من ذلك لها على معتصم الفطرة، التي فطر اللَّه النّاس عليها·

انتقاصُ فقه الدِّين واللُّغة: سببُ التنازع في الدِّين

وليس من شكٍّ في أن ما جنَتْهُ الأُمَّةُ من تنازُع وتفرُّق في الدِّين، قد كان بانتقاصٍ في فقه دينها ولغته العظيمة، أودى بها إلى هذا البلاءِ الجاثم فوقها منذ قرون، ولا يرفعه عنها إلا النزوع إلى دينها من جديد، بلغتها التي عزَّت بها إذ قد فقهت بها خطاباتِ ربِّها سبحانه، وهذا أمرٌ يقتضينا أن نسأل عن مصير هذه الفرَق الثنتين والسبعين التي حكم عليها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بوحيٍ من ربِّه بما أخبرنا به، وهل يكون لها أو لطوائف منها نجاة من النَّار بعد عذاب يمسُّها يطول أو يقصر مداه، وهو ما يكون تحت: نجاة الأفراد غير نجاة الفرَق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت