الصفحة 74 من 91

المسألة الرابعة: هل تكون من النّار نجاة لهذه الفرَق الثنتين والسبعين، كالنجاة التي تكون وتدرك العصاة من أفراد الفرقة الواحدة الناجية؟

والجواب عن هذا السُّؤال يقتضينا أن نرتّبه في فقرات، فنقول:

لزوم التناسب بين المقتضيات اللّغوية

أولًا: لو كان مراده صلَّى اللَّه عليه وسلَّم تعميم النجاة بإطلاقٍ لأدخل الفِرَقَ كلَّها في الفرقة الواحدةِ الناجية، أو لكان الأَولى أن يُلحِقَ الفرقَةَ الواحدةَ الناجيةَ بالاثنتين والسبعين، لأنّ الحكم العام الذي يقبل الاستثناء بحرف الاستثناء، أو بالعدد زيادةً ونقصًا، ويكون على وجهٍ من هذين الوجهين، فإنَّه به ينتفي غيره، ويظهر الحكمُ المراد من سياق الكلام كأحسن ما يكون الظّهور، وهنا أيضًا تأكَّد الاستثناء بالعدد بحرف التوكيد (كلُّ) ، وجاءَ التعريف للنار بحرف (أَل) العهدية التي يحكم بها للنّار المعهودة بالتَّعريف، فلا يُراد بها إلا النّار التي أعدَّها اللَّه أوَّلَ ما أعدَّها للمعهودين من أهلها، فإنّ الأليقَ بما يكون مصروفًا إلى المعهود في الذهن أن يُقْرَنَ به الأقرب إلى هذا المعهود، حتى لا يكون هناك من تنافرٍ، يكون منه اختلافٌ على المراد، فإنّ الكلام العربي يهدي بعضه بعضًا بأنواعٍ من الدِّلالة التي يتآلف بها، وهنا: فإنَّ النّار التي دُلَّ إليها بما ذكرنا، لا يُمكن أن يُقضى لها إلا بمن هم أهلها الحقيقون بها، وهم الخالدون اللابثون أبدًا فيها، أمّا مَن ينجون من لظاها، ويخلصون من حميمها؛ فليسوا هم أهلها، وإلا لكان إدخالهم نوعًا من التهافت وضعف المعنى، ولذا فإنّهم ليس يُحْكمُ لهم بما حُكِمَ لأهلها، الذين كان من سوءِ صنيعهم، وقبيح فعلهم ما قضوا به على أنفسهم، فاستحقّوا به الخلود ـ عياذًا باللَّه ـ في نار جهنّم·

عونٌ على الفَهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت